سهيلة عبد الباعث الترجمان

242

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

- وحدة الوجود : يعتبر التوحيد مفتاح القضية في مذهب ابن عربي ومنطلقه الأساسي ، إذ أن التوحيد ثمرة الإيمان المفرط لديه بأن الحقيقة الإلهية الواحدة لا يشاركها موجود في وجودها . ولما كان الوجود الحقيقي بمفهومه الخاص لديه هو " اللّه " وهو أيضا " صفة للّه " ، فأصبحت القضية التي آمن بها هي " أن الوجود واحدة والكثرة ، وهمية لا حقيقة لها ، والممكن لا وجود له بذاته مستقل عن الحق ، بل وجوده قائم " بوجود اللّه " ، وهكذا فإن هذه القضية لعبت الدور الأكبر في تفصيلات مذهب ابن عربي ، إذ بنى عليها تصوفه القائم على الذوق والوجدان ، بالإضافة إلى إعمال العقل والفكر فيها . والقضية الكبرى في مذهبه هي أن الوجود بأسره حقيقة واحدة ، ليس فيها ثنائية ولا تعدد ، وكل ما يبدو للحواس من تعدد وكثرة في الموجودات الخارجية ، أو ما تقرره العقول من ثنائية اللّه والعالم ، الحق والخلق ، ليس من الحقيقة في شيء ، فالوجود كما يراه واحد مهما تعددت الموجودات ، إذ أن مجموع التعينات يردّ إلى عين الوحدة ، فلا كثرة مع الحق بوجه ما ، لأنه هو كل شيء في الوجود ومن ثمّ قال : " إنه ما ثمّ في الوجود إلا اللّه تعالى وصفاته وأفعاله ، فكلّ هو به ومنه وإليه ، ولو احتجب عن العالم طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة ، فبقاؤه بحفظه ونظره إليه ، فهو الأول من الاسم الظاهر ، وهو الآخر من الاسم الباطن ، فالوجود كله حق وما فيه شيء من الباطل " « 1 » . وعلى ذلك فوجود الموجودات مرتبط بالوجود الحق ، وإلا فهو في حكم العدم والزوال . وقد أنكر المنكرون عليه قوله " لا موجود إلا اللّه " واتّهموه بالكفر والزندقة بينما حاول كل من الشعراني والبكري إبعاد تلك التهمة التي ألصقت بابن عربي . وقد استند الشعراني في موقفه هذا إلى قول أبي القاسم الجنيد : " من شهد الحق لم ير الخلق " « 2 » فقال محاولا تقريب المعنى إلى الأفهام : " أنه لا موجود قائم بنفسه إلا هو تعالى ، وما سواه قائم بغيره " « 3 » . ويزيد البكري على ذلك في شرحه قائلا : " ما في الوجود إلا اللّه "

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ( بولاق ) ، ص 317 . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت والجواهر ، مصدر سابق ، ص 13 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 13 .