سهيلة عبد الباعث الترجمان

238

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الحكيم الخبير لأهل العناية علم مراتب الأمور ، وما تستحقه الموجودات والمعلومات من الحق الذي هو لها وهو إعطاء كل شيء خلقه إعطاء إلهيا ، لتعطي كل خلق حقه إعطاء كونيا بما آتانا اللّه ، فتعلم بالقوة ما يستحقه كل موجود في الحدود ، وتفصّله بعد ذلك بالقول . . . " « 1 » فالعالم بهذا المعنى ملك لرب العالمين ، ولا معنى لكون العالم ملك " اللّه تعالى " إلا تصرفه فيه على ما يشاء من غير تحجير ، فهو محل تأثير سيده جلّ وعلا ، وما تنوع الحالات التي تطرأ على العالم إلا تصرف الحق فيه على حكم ما يريده . وهذا الرأي يحدد لنا موقف ابن عربي من مذهبه في الوجود فلا يخلط بين رب وعبد ، بل يرى أن الحق حق والإنسان إنسان وإن اللّه مالك الناس جميعا فيقول : " لما كان وجود العالم مرتبطا بوجود الحق فعلا وصلاحية ، لهذا كان اسم الملك له تعالى أزلا ، وإن كان عين العالم معدوما في الغيب لكن معقولية مرتبطة باسم المالك ، فهو مملوك للّه تعالى وجودا وتقديرا قوة وفعلا " « 2 » . هكذا ينقسم العالم إلى عالمين عالم أمر وعالم شهادة ، عالم ملك وعالم مملوك ، والمملوك صنيعة المالك ، فهو عابد له . كما أن اللّه قد قسم العالم في الوجود إلى غيب وشهادة ، وظاهر وباطن ، وأول وآخر ، فجعل الآخر والباطن والغيب نمطا واحدا ، وجعل الأول والظاهر والشهادة نمطا آخر ، كما أنه جعل الموجود منقسما بين عابد ومعبود ، فالعبد كل ما سوى اللّه تعالى ، وهو العالم المعبّر عنه والمسمى عبدا ، والمعبود هو المسمّى " اللّه ، فكل ما سوى اللّه عبد مما خلق ويخلق ، والإنسان لدى ابن عربي من جملة العالم ، إذ جعله اللّه مفتاح كون الوجود وكون العبادات ، وبه ظهر الأزل وهو يفتح باب الأبد « 3 » ، لذلك كان العبد هو الكون واللّه هو المكوّن له ، إذ فتح به الوجود وجعله المفتاح لذلك الوجود وهو سرّ من أسراره لذا يقول في لطيفة من أقواله : " الكون كون الحق لا كون الإنسان ، والإنسان مفتاح لذلك الكون ، فهو المفتاح وبه يفتح الفتح وعند الفتح تخرج الأسماء إلى الإنسان ، فمنهم من يشقى بها ومنهم من

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات المكية ، الجزء الثالث ، ص 594 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 237 . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ، ( رسائل ) ، الجزء الثاني ، ص 6 .