سهيلة عبد الباعث الترجمان
228
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
توحيد الهويّة ، فهذا توحيد الوجود لا توحيد التقرير ، فإنه تعالى أمر بالعبادة ولا يأمر بالعبادة إلا من هو موصوف بالوجود ، وجعل الوجود للرب ، فجعل ذلك الاسم بين اللّه وبين التهليل ، وجعله مضافا إلينا إضافة خاصة إلى الرب ، . . . فهي إضافة خصوص لتوحّده في سيادته ومجده ، ومن وجب وجوده فلا يقبل العدم كما يقبل الممكن ، فإنه الثابت وجوده لنفسه " « 1 » . وهكذا فإن التوحيد المنسوب إلى جانب الحق هو منزه من أن ينسب إلى غير الحق ، فهو المنزّه على الحقيقة ، لأنه لا يجوز أن يوصف به غير الحق فيما يعطيه اللفظ ، وذلك كالمشاركة الحاصلة في إطلاق لفظ الوجود والعلم والقدرة وسائر الأسماء في حق الحق والخلق : " فإنه توحيد الذات في جميع الوجوه ، ولا يوصف بهذا التوحيد غيره لا في اللفظ ولا في المعنى . . . وإذا كان تنزيه التوحيد متعلقه الحق سبحانه ، فيكون منزّها من حيث ذاته بلسان عين هذا الوصف الذي هو التوحيد له ، كثناء لسان صفة الكرم بالكريم لقيامه به ، لا بقول القائل ودليل الناظر ، فإنه سبحانه واحد ، فقد كان له هذا الوصف ولا أنت ، وله هذا الوصف وأنت أنت " « 2 » . ولهذا قيل من صحّ له قدم في التوحيد انتفت عنه الدعاوى من غير رياء وإعجاب ، فإنه يجد جميع الصفات المحمدية للّه لا له ، والعبد لا يعجب بعمل غيره ولا بمتاع غيره " « 3 » . ويرى في التوحيد بحرا عميقا لا يعلم له قرار إلا ذوقا فقال في تجلّي بحر التوحيد : " التوحيد لجّة وساحل ، فالساحل ينقال واللجّة لا تنقال ، والساحل يعلم واللجّة تذاق ، وقفت على ساحل هذه اللجة ورميت ثوبي وتوسطتها فاختلفت علىّ الأمواج بالتقابل ، فمنعتني من السباحة ، فبقيت واقفا لا بنفسي . . . " « 4 » . ويتميز ابن عربي عن غيره من أهل التوحيد بظهور لون خاص من التوحيد عنده وعند أتباعه والمتأخرين من الصوفية كان نتيجة لسلوكهم الخاص ، عرف في
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص . ص 536 - 537 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 764 . ( 3 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، مصدر سابق ، مجلد 5 ، ص 197 . ( 4 ) ابن عربي ، كتاب التجليات ( الرسائل ) ، ص 33 .