سهيلة عبد الباعث الترجمان

214

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فيلسوف أو متكلم أو صاحب نظر في أي علم كان ، فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق أنه فيلسوف لكون الفيلسوف قد ذكر تلك المسألة ، وقال بها ، واعتقدها ، وأنه نقلها منهم أو أنه لا دين له ، فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له ، فلا تفعل يا أخي ، فهذا القول قول من لا تحصيل له إذا الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا سيما أن وجدنا الرسول عليه السلام قد قال بها ولا سيما في ما وضعوه من الحكم والتبرّي من الشهوات ومكايد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر ، فإن كنا لا نعرف الحقائق ينبغي لنا أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة المعينة ، وأنها حق ، فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال بها أو الصاحب أو مالكا أو الشافعي أو سفيان الثوري . . . فكذلك خذ ما أتاك به هذا الصوفي واهتد على نفسك قليلا ، وفرّغ لما آتاك به محلك حتى يبرز لك معناها . . . « 1 » . ويعزو ابن عربي سبب ضلالة الفلاسفة إلى تأثرهم بالفكر إذ أن الفكر يتعرّض للخطأ والصواب . ويرى في كتابه " الأسفار " أن الحق تعالى أثبت ثلاثة أسفار لا رابع لها . . . وهي سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه فيقول في حق الفلاسفة : " فالمسافرون فيه طائفتان ، طائفة سافرت بأفكارها وعقولها ، فضلّت عن الطريق ولا بدّ ، فإنهم ما لهم دليل في زعمهم يدل بهم سوى فكرهم وهم الفلاسفة ومن نحا نحوهم . وطائفة سافرت بهم فيه وهم الرسل والأنبياء ، والمصطفون من الأولياء ، كالمحققين من رجال الصوفية مثل سهل بن عبد اللّه وأبي يزيد وفرقد السنجي والجنيد بن محمد والحسن البصري . . . " « 2 » ويستند ابن عربي في ذلك إلى قصته مع قاضي قرطبة أبو الوليد بن رشد فيلسوف عصره الذي كان من أرباب الفكر والنظر العقلي ، وذلك في لقائه معه حين اجتمع به فقد شكر اللّه الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة وقال : هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا ، فالحمد للّه الذي أنا في زمان فيه واحد من أرباب الفاتحين

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص . ص 32 - 33 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الأسفار ، مخطوط ، مكتبة ريجيا ، برلين ، ورقة 4 ، ص ب . ( وقد تم طبعه في القاهرة حديثا بطبعة الشيخ عبد الرحمن حسن محمود في عالم الفكر ) .