سهيلة عبد الباعث الترجمان
201
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
طريق الاعتدال ، واستندوا إلى الكتاب والسنة في تصوفهم ، واعتمدوا ميزان الشرع في معاملاتهم . والاتجاه الثاني يمثله صوفية استسلموا لأحوال الفناء ، ونطقوا بعبارات غريبة عرفت بالشطحات « * » وكانت لهم تصورات خاصة بعلاقة الإنسان باللّه كالاتحاد والحلول ، وتصوفهم لا يخلو من بعض المنازع الميتافيزيقية في صورة بسيطة « 1 » . ويمثل الفريق الأول أبو القاسم الجنيد الذي تكلم في التوحيد والفناء فيه ، كما مثّل أبو يزيد البسطامي الفريق الذي تكلم في الفناء والاتحاد خير تمثيل ، وهذا الاتجاه الذي يخضع أصحابه لأحوال الوجد والفناء ، فتصدر عنهم عبارات موهمة ومستشنعة الظاهر في تعبيرهم عن صلة الإنسان باللّه « 2 » . كان أبو يزيد البسطامي ( المتوفى سنة 261 ه ) أول من مثل اتجاه الصوفيين الذين استسلموا لأحوال الفناء ونطقوا بعبارات غريبة عرفت بالشطحيات ، كما أنه أول من استخدم لفظ الفناء بمعناه الصوفي ، وقد أخذ النظرية بجذورها عن الهندية في عقيدتها عن الفناء ، بمعنى الصعود من المراقبة إلى الاستغراق ، حتى يصل الصوفي بعدها إلى أن يصبح المراقب والمراقب عنده واحدا « 3 » . فكان بذلك أسبق من تكلم بموضوع الفناء ، واعتبره الدرجة القصوى في ترقّيه في معراجه الروحي ، وله في ذلك أقوال رمزية من قبيل ما يسمى بالشطح مثال : " خرجت من الحق إلى الحق حتى صاح فيّ منّي ( يا من أنت أنا ) فقد تحقق بمقام الفناء في اللّه « 4 » . وقوله إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وقوله : ( سبحاني ما أعظم شأني ) « 5 » ولا شك أن هذه بعض شطحات أبا يزيد في حالة وجد ، فصاح في غيبته معلنا
--> ( * ) الشطح : كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى وهو من ذلات المحققين ، فإنه دعوى بحق يفصح بها العارف من غير إذن إلهي ، ( الجرجاني ، التعريفات ، مادة شطح ) . ( 1 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، مدخل إلى التصوف الإسلامي ، مرجع سابق ، ص 43 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص . ص 140 - 141 . ( 3 ) محمود ( عبد القادر ) ، الفلسفة الصوفية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص . ص 309 - 310 . ( 4 ) العطار ( فريد الدين ) ، تذكرة الأولياء ، ص 160 . ( انظر نيكلسون في التصوف الإسلامي وتاريخه ، ص 24 . ( 5 ) المرجع السابق ، ص 160 ، ( انظر نيكلسون ، المرجع السابق ، ص 24 ) سورة طه : 20 / 14 ك .