سهيلة عبد الباعث الترجمان

186

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

والأخذ بالكشف فقال : " إياك أن تقنع في باب معرفة اللّه تعالى بدون الكشف كما عليه طائفة النظّار والمتكلمين ، فإن المتكلمين يظنون عند نفوسهم أنهم ظفروا بمطلوبهم بما نصبوه من العلامات وشاهدوه من الحقائق . فتراهم يسكنون إلى ما حصل عندهم من الاعتقاد والمربوط ، ويكفّرون من خالفهم ، وذلك قصور في المعرفة ، ولو اتّسع نظرهم لأقرّوا جميع عقائد الموحدين بحق " « 1 » . وهذا مناقض لموقف أهل الكشف الذين يقرون لأهل النظر بكل أمر دون تسفيههم أو مغالطتهم فيقول : " إعلم أن عين الشريعة هي عين الحقيقة إذ الشريعة لها دائرتان عليا وسفلى ، فالعليا لأهل الكشف ، والسفلى لأهل الفكر ، فلما فتش أهل الفكر على ما قاله أهل الكشف فلم يجدوه في دائرة فكرهم قالوا هذا خارج عن الشريعة ، فأهل الفكر ينكرون على أهل الكشف ، وأهل الكشف لا ينكرون على أهل الفكر ، فمن كان ذا كشف وفكر فهو حكيم الزمان ، فكما أن الفكر أحد طرفي الشريعة فكذلك علوم أهل الكشف فهما متلازمان ، ولكن لما كان الجامع بين الطرفين عزيزا فرّق أهل الظاهر بينهما . . . " « 2 » . وجملة القول أن ابن عربي لم يبن تصوفه على علم الكلام ، وإن كان ملما به إلى أبعد حد ، إنما كان موقفه وموقف الناقد لبعض أمور كلامية تناقض المعرفة الوهبية الكشفية وتختلف معها في نواح كثيرة ، وهذا يجعلنا نجزم بأن علم الكلام لم يكن ركيزة أساسية في توحيده ، إنما عامل جانبي ناقش فيه القضايا التي أثبتها الكشف لأهل اللّه دون معاناة بحث وتدقيق ، بل هو نفث في الروع من ملك الإلهام « 3 » ، وأن جميع ما دوّنه كان عن إلقاء ربّاني لذا فهو محفوظ من الخطأ ولا يتطرق إليه الشك ، وحجته في ذلك واضحة ، إذ يرى في علم الكلام أنه علم نقلي وليس علم ذوقي ، وأن النقل والناقل يعجزان عن متابعة طريق التصوف لأنه تجربة روحية يعجز العقل عن ادراكها والقيام بها . وعلاماته ظاهرة لأهله ، فلا موانع فيه إلا من حيث عدم التعرض للنفحات الإلهية

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 584 . ( انظر الشعراني اليواقيت الجواهر ، ص 28 ) . ( 2 ) ابن عربي ، المصدر السابق ، الجزء الثاني ، باب 363 ، ص 563 . ( انظر الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، ص 26 ) . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، الباب 363 ، ص 563 . ( انظر الشعراني ، المصدر السابق ، ص 24 ) .