سهيلة عبد الباعث الترجمان
183
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يسبح في هذا البحر . وقد عاينا جماعة على هذا المذهب من الأشاعرة بمدينة فاس وهو يسبح في بحر وجوده لأنه متردّد بفكره بين السلب والإثبات ، فالإثبات راجع إليه لأنه ما أثبت إلّا ما هو عليه في نفسه ، ففي نفسه يتكلم وفي عينه يدلّ ويبرهن ، والحق من وراء ذلك كله ، والسلب راجع إلى العدم . . . أنّى للمقيّد بمعرفة المطلق وذاته لا تقتضيه . . . وكيف للممكن أن يصل إلى معرفة الواجب بالذات . . . فإثبات وجه جامع بين الحق والخلق محال " « 1 » . أما في مسألة الوحدة والكثرة التي هي قوام مذهب وحدة الوجود ، فإنه لا يغاير فيها الأشاعرة ، بل هي صورة أخرى لمذهبهم في الجوهر والأعراض حيث يقولون إن العالم كله واحد بالجوهر ، كثير بالأعراض ، وأنه مؤلف من جواهر بسيطة أو أجزاء لا تتجزأ « 2 » وهذا الرأي سبقتهم إليه قدماء اليونان ومنهم ديمقريطس من فلاسفة الذرة القدامى ، فالجوهر عندهم لا وجود له إلّا بالأعراض ( كما أن الأعراض لا قوام لها دون الجواهر ) وهي في حالة تغيّر وتبدّل مستمرين بحيث إذا عدمت إحداهما عدمت الأخرى ، فالجواهر هذه والأعراض وجودها دائما في لحظات متجددة ، وعليه فهم يرتّبون أصل هذا العالم الكوني أو ظواهر الكون جميعها على هذه الجواهر الفردة ، وهي أشبه ما تكون بالموناد « * » لدى ليبنتز « 3 » . وتلك النظرية عند الأشاعرة إنما هي نظرية في العالم وفي الأجسام ، ولكنها لم تدفع بهم إلى إنكار خالق للعالم « 4 » . وقس على ذلك في مسائل عديدة منها التشبيه لدى المشبهة والمجسمة وموقف ابن عربي في الرد
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد ، 1367 ه / 1948 م ، ص . ص 2 - 3 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مقالة من أين استقى ابن عربي : مرجع سابق ، ص 24 . ( * ) الموناد Monad : مأخوذة من الكلمة الإغريقية ( الموناس ) Monas ومعناها الوحدة - أو أنها تشير إلى ما هو واحد - ومن ثمّ فإن كثيرا ما توضع في مقابل الفلسفات الإثنينية أو الثنائية التي تنادي بأن العالم مؤلف من مادة وروح والموناد عند ليبنتز جوهر بسيط يدخل في تكوين المركبات . . ( A . LalandeVoe . Tech . ) ( 3 ) أنظر أبو العلا عفيفي ، مقال من أين استقى ابن عربي فلسفته الصوفية ، ص 23 . ( وليبنتز هو فيلسوف وعالم رياضي ألماني عظيم ( 1646 - 1716 ) ) . ( 4 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، المرجع السابق ، ص 24 .