سهيلة عبد الباعث الترجمان

180

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الباب 366 : " جميع ما أتكلم به في مجالسي وتآليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم ، فإني أعطيت مفاتيح العلم فلا أستمد قط في علم من العلوم إلّا منه ، كل ذلك حتى لا أخرج في مجالسة الحق تعالى عن مناجاته بكلامه أو بما يتضمنه كلامه " « 1 » . ويطلعنا ابن عربي على مدى الخلاف بين أهل النظر والفكر وأهل الكشف مبينا مذهب كل منهما ، ففي مسألة الجوهر والأعراض مثلا ، فإن وجهة نظر كل منهما تظهر في ما ذهبا إليه في تفسيرهما وعرضهما لهذه المسألة ، فما يسميه الأشاعرة جوهرا يسميه هو ذاتا إلهية ، وحقيقة مطلقة ، وحقا وباطنا ، وما يسمونه هم أعراضا وأحوالا ، يسميه هو الخلق ، والظاهر ، وذلك على أساس أن الحقيقة واحدة ذات وجهين ، الباطن الحق والظاهر الخلق ، فهو كصوفي في غنى عن البحث في معرفة الحق وعن البرهان عليه ، لأن الحق ظاهر بصور جميع الموجودات . أما وحدته مع الخلق فليست مما يقوم عليه الدليل المنطقي ، بل طريق إدراكها بالذوق « 2 » . كذلك نرى وجه الخلاف بينه وبين المتكلمين فيما يتعلق بالصفات من حيث قولهم لا هي هو ولا هي غيره ، ففي ذلك تعطيل لا يجوز بحقه تعالى ، إذ أنه تعالى يتصف بكل صفات الكمال ، وهو أولى بصفة مكارم الأخلاق من المخلوقين ، وهذا دلالة واضحة على صحة الاستقراء في الإلهيات ، أما سقم الاستقراء فلا يصحّ في العقائد إذ أن مبناها على الأدلة الواضحة فيقول : " فإنه لو استقر أنا كل من ظهرت منه صنعة وجدناه جسما ، ونقول أن العالم صنعة الحق وفعله ، وقد تتبعنا الصناع فما وجدنا صانعا إلّا ذا جسم ، فالحق جسم ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، وتتبعنا الأدلة في المحدثات فما وجدنا عالما لنفسه ، وإنما الدليل يعطي أن لا يكون عالم إلّا بصفة زائدة على ذاته تسمى علما ، وحكمها فيمن قامت به أن يكون عالما ، وقد علمنا أن الحق عالم فلا بد أن يكون له علم ويكون ذلك العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به ، كلا بل هو اللّه العالم الحي ، القادر ، القاهر ، الخبير كل ذلك لنفسه لا بأمر زائد على ذاته ، إذ لو كان ذلك بأمر زائد على نفسه وهي صفات كمال لا يكون كمال الذات إلّا بها ، فيكون كماله

--> ( 1 ) حاجي خليفة ، كشف الظنون ، الجزء الثاني ، ص 1237 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مقالة من أين استقى ابن عربي ، مرجع سابق ، ص 24 .