سهيلة عبد الباعث الترجمان
168
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وانشراحا وتنزها من الوجوه التي سفرت عن براقعها وظهرت من وراء ستورها ، فارتفع الضيق والحرج ، وشوهد الكمال في النقص " « 1 » . ويعمد ابن عربي إلى أبراز الدور الفاعل للعماء وما يكمن فيه من الأسرار ، فيرى في حديث " العماء " الذي يسوقه الصوفية خير مثال للدلالة على وجود الحق دلالة واضحة فيثبت مدى عمقه في هذا الشأن ، وينفي عن الحق صفة الفوقية والتحتية إذ لا يجوز في حقه تعالى تحديد جهاته بما تحدد به الموجودات ، ويجيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حين سأله السائل عن أينية الرب وتحديد مكان وجوده قبل الخلق : أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ فقال : " . . . كان جلّ وتعالى في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء « 2 » ، وهو أول مظهر إلهي ظهر فيه ، سرى فيه النور الذاتي . . . " « 3 » ويبين أن للعماء معان عدة : " فالعماء أصل الأشياء والصور كلها ، وهو أول فرع مظهر من أصل فهو نجم لا شجر . . . . وهو الأرض . . . وهو الدائرة المحيطة ، وهو فلك الإشارات والنقط التي في الدائرة مثال أعيان الأرواح المهيمة والنقطة العظمى . . . " « 4 » وهذا العماء من حيث الإيجاد والخلق هو " الحق المخلوق به كل شيء وسميّ الحق لأنه عين النفس . . . فلهذا قلنا في الأشخاص إنها مخلوقة من وجود لا من عدم فإن الأصل على هذا كان وهو العماء من النفس وهو وجود ، وهو عين الحق المخلوق به ، وأجناس العالم مخلوقون من العماء ، وأشخاص العالم مخلوقون من العماء أيضا . . . " « 5 » وفي أصل هذا العماء يقول صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث : " إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن " « 6 » . ويعزو سبب تسمية
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 26 . ( 2 ) الحديث : أخرجه الترمذي في جامعه في التفسير ، ج - 8 ، ص 270 عن ابن رزين ، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن ، وابن ماجة في المقدمة 1 / 64 ، وأحمد في مسنده 4 / 11 و 12 عن ابن رزين . ورواه البخاري في توحيده أيضا . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 148 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 420 . ( 5 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 310 . ( 6 ) الحديث : قال العراقي : لم أجد له أصلا . وجاء في مسند أحمد 2 / 541 حدثنا عبد اللّه عن أبيّ ، عن عصام عن خالد عن جرير عن شديد أبي روح أن أعرابيا أتى أبا هريرة فقال : يا أبا هريرة حدثنا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر الحديث فقال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " ألا إن الإيمان يمان ، والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم من قبل اليمن " . وعلى هذا فإن قول الحافظ العراقي يخرج على أنه ليس له أصلا بهذا اللفظ واللّه أعلم ( انظر مجمع الزوائد 10 / 55 ) .