سهيلة عبد الباعث الترجمان

139

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وعلى الجملة فإن ما يمكن قوله أن هذه العبارات التي وردت على لسان طاليس يمكن أن تعبر عن الاتجاه الذي كان سائدا بين الفلاسفة الطبيعيين آنذاك ، وهو الذي كان يرى في المادة قوة حيوية دافعة . والذي يمكن أن يقال عما فعله طاليس فهي تلك المحاولة الأولى لإرجاع الظواهر الكونية إلى أصل واحد على أساس منطقي والنظر إلى العالم على أنه وحدة متناسقة في الوجود « 1 » . ويعتبر أنكسمندريس « * » أعظم فلاسفة المدرسة الملطية لما في تفكيره من عمق وأصالة ومنطق وتجريد « 2 » . كما يعتبر موقفه تطورا طبيعيا لفكرة طاليس ، لقد رأى أن الماء لا يمكن أن يكون مصدرا لجميع الموجودات ، ولا بد من أن تكون العلة الأولى شيئا عاما يقبل التشكلات المختلفة ، كما يقبل الأضداد ، لهذا فقد قال " باللامتناهي " السابق على العناصر أو " الأبيرون " كما يقال أو " اللامحدود " ، والأبيرون هذا أو اللامحدود أو اللامتناهي هو العنصر أو المبدأ الأول لسائر الموجودات « 3 » . ومما يراه أنكسمندريس في هذا الصدد أن اللامحدود كمادة أصلية خالد وأزلي لا يفسد ، ويحيط بالعالم من كل جهة ، وهذا الأبيرون لا محدود من حيث الكمّ ومن حيث الكيف ، فمن حيث الكيف ليس للأبيرون - اللامتناهي - أية صفة معينة في حد ذاته ، بل يشبه مزيجا وقد تعادلت فيه الصفات المتضادة تعادلا كاملا ، فافترض بذلك مادة أولية امتزجت فيها الصفات والكيفيات المتضادة بصورة متعادلة . فالجوهر الأول أو " الأبيرون " كتلة غير متمايزة الأوصاف ، ولكنها تحوي على جميع الأوصاف المعينة مختلفة بعضها عن البعض - والأبيرون لا محدود من حيث الكم أي لا محدد ، وسبب ذلك اعتقاده بوجود عدد لا يحصى من العوالم التي تقتضي وجود كمية لا محدودة من المادة الأولية ، فإذا كانت

--> ( 1 ) أبو ريان ( محمد علي ) ، تاريخ الفكر الفلسفي ، الفلسفة اليونانية ، الجزء الأول ، من طاليس إلى أفلاطون ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1976 م ، ص 11 . ( * ) انتقلت إليه رئاسة المدرسة الملطية بعد طاليس وكان ازدهارها في منتصف القرن السادس ق . م أي حول عام 565 ق . م . ، ( أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي ، ص 61 ) . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 61 . ( 3 ) عطيتو ( حربي عباس ) ، مرجع سابق ، ص 20 .