سعاد الحكيم
8
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
يفهم إلا لغزا أو إشارة ، فلو ذكر مصرّحا لحال الفهم به عن محله إلى خلافه فيمتنع بذلك حصول المطلوب » « 1 » . لقد كان الجيلي واعيا أن كتابته إبداعية على مستوى الشكل والمضمون معا ، فنبّه على ذلك في كل عمل أخرجه للناس ، اختار أن يكتب إبداعه المعرفي بأسلوب كتابة مبدع ، فنحت مفردات ، وانتهج الكتم والإفشاء معا ، والرمز في العبارة واللغز في الإشارة ، والتلويح دون التصريح . ولكن ، وعلى الرغم من انتهاج الجيلي للتلويح لا للتصريح ، إلا أنه يصرّح أحيانا بلغة بيانية لا ترميز فيها ، ويفجأ القارئ بحقائق عن الوجود والإنسان ، تدعو للإعجاب والتأمل « 2 » . وحيث أننا نعتبر الجيلي من أهل الاختصاص في الحقل الصوفي ، واختصاصه هو « الإنسان » ، نلفت إلى أنه قدّم ، من خلال تجربته الشخصية ومشاهداته الخاصة ، رؤية للإنسان الكامل بالذات والأصالة ، الواحد منذ الأزل إلى الأبد ، تفتح المجال واسعا أمام جنس البشر للتحقق بالكمال واللحوق به . لقد فتح الجيلي بكتاباته كلّها ، على الأخص بالقصيدة العينية التي ننشرها اليوم ، آفاقا جديدة أمام إنسان اليوم ليستعيد ثقته بذاته وجنسه ، وينهض من جزيء إقليمه إلى الكون الواسع ، ويتحقق بفعالية روحية توازن ثقل المادة الذي أحنى ظهور بني آدم جميعا ، ودون استثناء . يعلّم الجيلي الإنسان ، بأن جوهره ليس عقلا ولا إرادة ، بل جوهره إلهي « 3 » . وأن موقعه في الوجود هو خلافة اللّه في الأرض ؛ لذا فما عليه إلا أن يجاهد العوائق ليحقق ذاته ، ويرقى من المرتبة الكونية إلى المرتبة القدسية ، ويتسلّم مفاتيح الكون « 4 » .
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل ، مطبعة صبيح ، مصر ، 1949 م ، ج 1 ص 5 . ( 2 ) ينبه الجيلي القارئ بأنه ما وضع في كتبه إلا ما هو مؤيد بكتاب اللّه أو سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنه إذا لاح للقارئ شيء في كلامه بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مراد الجيلي . وينصحه بالتوقف عن العمل بما يقرأ ، ويسلّم ، وينتظر إن يفتح اللّه عليه بمعرفته . ( الإنسان الكامل ، ج 1 ص 5 ) . ( 3 ) الإنسان الكامل ، ج 1 ص 70 . ( 4 ) م . ن ، ج 1 ص 20 .