سعاد الحكيم
44
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
« القصيدة التائية » المسماة : « نظم السلوك » ، والتي تزيد أبياتها على سبعمائة « 1 » ، ومطلعها : سقتني حميا الحب راحة مقلتي * وكأسي محيا من عن الحسن جلّت فأوهمت صحبي أنّ شرب شرابهم * به سرّ سرّي في انتشائي بنظرة وبالحدق استغنيت عن قدحي ومن * شمائلها لا من شمولي نشوتي ونستطيع أن نقول أنه لا يضاهي قصيدة الجيلي العينية في تاريخ الشعر الصوفي إلا قصيدة ابن الفارض التائية . بل لو قصدنا المقارنة لقلنا أن الجيلي استعاد في قصيدته جملة موضوعات صاغها ابن الفارض قبله ، وخاصّة فيما يتعلق بالمجاهدات والحب الإلهي ونظرية الجمال . فالقصيدتان تعبران بامتياز عن رؤية الصوفي للألوهية والوجود والإنسان ، وعن نمط حياته الموسوم بالمجاهدات والمعاناة . ولكن رغم هذا التماثل بين القصيدتين في أكثر من وجه ، إلا أن عينية الجيلي تتفرد بأمور تجعلها مميزة في تاريخ الشعر العربي عامة ، لا الشعر الصوفي فقط ، مما يصبح معه ادّعاء الجيلي ، بتفرّد قصيدته وانعدام طرازها في الزمان مقبولا . ومن هذه الأمور : 1 - إن القصيدة العربية متّهمة بالتفكك ، بحيث يشّكل البيت الواحد أحيانا معنى مكتملا . وهنا نصدف قصيدة عربية تمتاز بوحدة الموضوع وتسلسل المعنى على امتداد ما يزيد على خمسمائة بيت من الشعر . 2 - تقول هذه القصيدة شعرا جماع ما يشتمل عليه النثر الصوفي من فكر ، فقد نظم الجيلي في قصيدته هذه أفكاره الصوفية عامة ؛ في وحدة الوجود والإنسان الكامل والحب والجمال والمجاهدات . . . إنها قصيدة تعبّر بالكامل : عن شخص منشئها وفكره ، وهذا نادر في الشعر العربي . 3 - نصف القصيدة تقريبا يروي فيه الجيلي سيرته الروحية ، فنراه منذ برز لمعة من النور الإلهي ، ثم ولد في الأرض ، وعشق ووحّد وتعبّد وجاهد . . وختاما ،
--> ( 1 ) ابن الفارض ، ديوان ابن الفارض ، د . ط ، د . ت ، ص 23 .