سعاد الحكيم
36
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )
ينقل الجيلي أقوالا عديدة لأبي الغيث بن جميل ، وأشهرها عبارته التي سارت في أوساط الصوفية ، وأصبحت من جملة الأقوال التي يعرفها الجميع تقريبا ، وقلّة من يعرف قائلها ، وهي : « خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله » . . ويلقّب الشيخ أبو المغيث بشمس الشموس . وكان في حداثته وقبل دخوله في القوم ، من جملة قطّاع الطريق . ثم تاب وتصوّف على يد الشيخ علي بن أفلح ، وهو من أشهر مشايخ زبيد وقت ذاك . وعندما بدأت تكثر « كراماته » في بلدته ، نصحه شيخه بالخروج من زبيد والذهاب إلى الشيخ علي الأهدل . ويقول أبو الغيث في أيام نهايته : خرجت من عند ابن أفلح لؤلؤة عجماء فثقبني الأهدل . وتوفي عام 651 ه ، وعمره يتجاوز التسعين عاما « 1 » . أما محيي الدين بن العربي ، فقد كان بالنسبة للجيلي هو الآخر بامتياز : شرح مؤلفاته ، ومنها « رسالة الأنوار » ، و « مشكلات الفتوحات » ، و « التجليات » ؛ واتفق معه في نتائج عديدة لا تكاد تحصى ؛ واختلف معه أيضا في مسائل معدودة . إذن ابن عربي هو المحاور الأول للجيلي من خارج تجربته الشخصية . يقول عنه في مقدمة شرحه لرسالة الأنوار : « سيد هذه الطائفة وإمامها ، وخبير هذه الجماعة وعلّامها ، الشيخ الإمام العارف ، وارث الأنبياء ، وخاتم الأولياء ، برهان الشريعة المحمدية ، وعماد الحقائق الإلهية ، بحر الندا ونجم الاهتدا . . . صفوة أرباب المجاهدة وعمدة أصحاب المشاهدة . . . » ، ثم يشهد له بأن أكثر أقوال الصوفية مستندة إليه ، لذلك كثر الإنكار عليه « 2 » . وعلى الرغم من علّو هامة ابن عربي في أفق نظر الجيلي إلا أنه لم يملأ حدقة العين ، فظل الجيلي صاحب تجربة صوفية جديدة ، وشبه متخصصة بموضوع « الإنسان الكامل » ، وظل كل الآخرين بالنسبة إليه : إما مرّبين لعبوا دورا على مستوى مجاهداته النفسية ورياضاته من أمثال شيخه الجبرتي ، وإما محاورين لتجربته ومرآة ينظر فيها ليرى ملامحه ؛ وهذا موقع ابن عربي . * * * * *
--> ( 1 ) أنظر بخصوص أبو الغيث بن جميل : الشرجي الزبيدي ، طبقات الخواص . . . ، ص ص 406 - 410 . ( 2 ) الجيلي ، الإسفار . . . ، ص 5 .