سعاد الحكيم
25
المعجم الصوفي
المشروع الانساني ، يضاف إلى ذلك غزارة نتاج الشيخ الأكبر إذ ان فتوحاته تزيد على ثلاثة آلاف صفحة فقط ، والوصول إلى مرتبة كمالية في عمل مماثل ، يتطلب جهد جماعة من الباحثين لأنه عندئذ قد يستوعب عشرات المجلدات ، إذ انه لا يقل في شيء عن القديس توما الاكويني الذي استغرقت مفرداته أربعة وعشرين مجلدا ، كل منها في حوالي سبعماية صفحة من القطع الكبير Index thomisticus . ولكن هذا المعجم وان لم يكن كاملا ، الا انه يعتبر خطوة علمية موضوعية . وبدء طريق قد نترافق بها ، ونكمل الدرب ما اتسع لنا السير فيه . وأخيرا ، نضع صفحاتنا هذه بين يدي القارئ ينبض كل حرف فيها في صراحة ، بتقديرنا وحبنا لهذه الشخصية الفذة التي تألقت عبر نضج تجربتها الصوفية باصالة عربية حقيقية ، والتي استطاعت بصدق نبراتها ان تسد مسام الثغرة التي تفصلنا عن القرن السادس الهجري ، وتمدنا بذاك التواصل الحقيقي مع تراثنا العربي وحضارتنا الشرقية . لا نكاد نجد بين مفكري الاسلام ، من تفتح هذا الدين في دمه فكان تجسيدا لتعاليمه وتحقيقا لجزئياته كهذا الانسان القادم من مرسية . الذي استحق لقبه « محي الدين » . بسيطا في انقياده ، راسخا في رؤيته ، اعطى القرآن ذاته فانسكب حرفا حرفا في كيانه ، ساترا بالصفات المحمدية ما كان من صفاته . فنرى الاسلام في كلماته حيا نابضا يجري في عروق الكون ، ونتلمس النبوة كأنها الآن أطلت من الغيب بالتشريع الاسلامي . فمن كان الاسلام منه في الصدر بهذا الموقع فهو لا يخشى الكلمة [ كثيرا ما يخشاها المنافق ، لأنها تفضح صدق أعماقه ] . لذلك تأتي أحيانا في الاذن الغريبة على عالمه وفكره ، البعيدة عن منطلقاته ، شاذة الوقع منكرة ، يجفل قارئها خوف ملامستها حدود الكفر . وما بين بساطة أعماقه الراسخة ، وخصوصية دلالة مفرداته ، توالت التصانيف زاهية بين مدح وذم . وانقسم المشرق الاسلامي فريقين بين مؤيد له ومنكر عليه .