سعاد الحكيم

15

المعجم الصوفي

لماذا هناك لغة جديدة ؟ لغة التصوف قبل ابن عربي يكاد يجمعها أساس واحد ، وهو انها لغة تعرب عن تأمل وتجربة متلازمين . ولهذا انحصرت مشكلة متصوفي تلك الفترة في التعبير ، واشتركوا في الشكوى من حدود الحرف وعدم طاقته الاستيعابية لابعاد تجربة مطلقة . إذ ان الكلمة لا تستطيع ان تعبر بتطابق كلي عن الحال المعيشة ، فنرى المفردات تتعدد بتسلسل متدرج في محاولة يائسة ساعية نحو التطابق مع التجربة ، ويظهر الحرف والكلمة في كتاباتهم « غيرا » و « سوى » و « ثانيا » إلى جانب المراد منه ، ويتضح عجزه عن التعبير عن ذات التجربة ، بل حتى عن اتحاده الحقيقي بمضمونه . وربما رجع سبب هذا العجز إلى أنهم حاولوا التعبير عن تجربة خاصة ، ذات طبيعة فردية بلغة عامة لم تخلقها تجربتهم . والأهم من ذلك ان محاولة التعبير هذه ، كانت من داخل التجربة نفسها ، يدل على ذلك ظهور عبارات قيلت تحت وطأة الشطح ، والسكر ، والفناء والبهللة . . إلى آخر أنواع الغيبات السلوكية . لغة « تنظير » لتجربة من خلال مقدرة فذة على التعبير عن هذه التجربة : كان ابن عربي من أوائل من انفصل من المتصوفة عن تجربته الصوفية ليحللها ، وينتقل بها من ميدان المواجيد والأحوال ، إلى منطق العلم والنظريات . ولذلك يأخذ بعض عليه « برودته الصوفية » ، ويرى بعض آخر فضله في ادخال الغرباء عن عالم التصوف ، إلى محراب هذا العالم ، وذلك بتؤدة العلماء ، دون ان تزلزلهم صيحات الوجد ولا تغرقهم بحار الغيبة . وقد كان يتحلى ، إلى جانب تجربته الواسعة الغنية ، بملكة التعبير عنها إذ انه يمتلك أسلوب التعبير الصحيح بالوسائل « الكلاسيكية » جميعها ، فنراه يعبّر عن فكرته الواحدة بفنون من القول ، كما أن الكلمة لدنه تتحد بمضمونها لا لتعبّر عنه بل لتكونه ، وتنتقل الكلمة من كونها « سوى » يثنّى المضمون إلى واحد هو عين المضمون ، ولا نجد عند شيخنا الأكبر تلك الشكوى ، من حدود الحرف وعجزه وتقصيره ، بل العكس يتحول الحرف إلى ذات مضمونه . وبالتالي لا تتعدد لديه