رفيق العجم

214

موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي

انحسار حجاب فرأى محبوبه وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلّق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتّبة في الحصول ، فيطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالسابق والمقدّمة والترك كالثمرة والتابع والمتأخّر . ( غزا ، ا ح 2 ، 4 ، 12 ) - التوبة ترك الذنب ، ولا يمكن ترك الشيء إلّا بعد معرفته ، وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصّل إليها إلّا به واجبا ، فمعرفة الذنوب إذن واجبة ، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر اللّه تعالى في ترك أو فعل . ( غزا ، ا ح 2 ، 17 ، 18 ) - عليك يا طالب العبادة وفّقك اللّه بالتوبة وذلك لأمرين : ( أحدهما ) ليحصل لك توفيق الطاعة فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان وإن قيد الذنوب يمنع عن المشي إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ والمسارعة إلى خدمته لأن ثقل الذنوب يمنع من الخفّة للخيرات والنشاط في الطاعات وأن الإصرار على الذنوب مما يسود القلب فتجدها في ظلمة وقساوة لا خلوص فيها ولا صفاوة ولا لذّة ولا حلاوة وإن لم يرحم اللّه فستجر صاحبها إلى الكفر والشقاوة ، فيا عجبا كيف يوفق للطاعة من هو في شؤم وقسوة وكيف يدّعي إلى الخدمة من هو مصرّ على المعصية ومقيم على الجفوة وكيف يقرب للمناجاة من هو متلطّخ بالأقذار والنجاسات . . . . ( والثاني ) من الأمرين إنما تلزمك التوبة لتقبل منك عبادتك فإن رب الدين لا يقبل الهدية وذلك أن التوبة عن المعاصي وإرضاء الخصوم فرض لازم وعامّة العبادة التي تقصدها نفل ، فكيف يقبل منك تبرّعك والدين عليك حال لم تقضه وكيف تترك لأجله الحلال والمباح وأنت مصرّ على فعل المحظور والحرام وكيف تناجيه وتدعوه وتثني عليه وهو والعياذ باللّه عليك غضبان . فهذا ظاهر حال العصاة المصرّين على المعصية واللّه المستعان . ( غزا ، منه ، 9 ، 20 ) - التوبة فإنها سعي من مساعي القلب وهي عند التحصيل في قول العلماء رضي اللّه عنهم تنزيه القلب عن الذنب . ( قال شيخنا رحمه اللّه ) في حدّ التوبة إنه ترك اختيار ذنب سبق مثله عنه منزلة لا صورة تعظيما للّه تعالى وحذرا من سخطه فلها إذا أربعة شرائط : ( أحدها ) ترك اختيار الذنب وهو أن يوطن قلبه ويجرّد عزمه على أنه لا يعود إلى الذنب البتّة . فأما إن ترك الذنب وفي نفسه أنه ربما يعود إليه أو لا يعزم على ذلك بل يتردّد فإنه ربما يقع له العود فإنه ممتنع عن الذنب غير تائب منه . ( والثانية ) أن يتوب من ذنب قد سبق عنه مثله إذ لو لم يسبق عنه مثله لكان متّقيا غير تائب ، ألا ترى أنه يصحّ القول بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان متّقيا عن الكفر ولا يصحّ القول بأنه كان تائبا عن الكفر إذ لم يسبق عنه كفر بحال وإن عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه كان تائبا عن الكفر لما سبق عنه ذلك . ( والثالثة ) أن الذي سبق عنه يكون مثل الذي يترك اختياره في المنزلة والدرجة لا في الصورة ألا ترى أن الشيخ الهرم الفاني الذي سبق منه الزنا وقطع الطريق إذا أراد أن يتوب عن ذلك تمكّنه التوبة إذ لا محالة إذ لم يغلق عنه بابها ولا يمكنه ترك اختيار الزنا وقطع الطريق إذ هو لا يقدر الساعة على فعل ذلك فلا يقدر على ترك اختياره فلا يصحّ وصفه