رفيق العجم
المقدمة 12
موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي
يتلقّاه الأنا من المعنى وأهدافه . أما الإحالة فتظهر علاقة الأنا أو الذات بالعالم . والمقصود بالدلالة الكلام والإشارة المنتجان من الأنا . إذ هناك دائما تعارض بين موقف موضوعي وبين موقف ظواهري يتبدّى للأنا ، بين حقيقة موضوعية وحقيقة ذاتية . الموضوع يصعب معرفته من قبل الذات الإنسانية ، المعرفة هي معرفة ذاتية . والسؤال هنا أين تقع اللغة ؟ ولا سيما أن معالجاتنا المصطلحية ضمن بعدها ! تجيب الفينومنولوجيا أن اللغة تلي الذات المتكلمة في علم الظواهر الحديث . علما أن التعابير لا تنفصل عن سيرورة اللغة . لكن الفينومنولوجيا لا تعتبر اللغة بنية موضوعية مستقلّة تفرض بناها على الكلام بل هي توسّط إنها أداة نتّجه بها وعبرها نحو الواقع . وبهذا الفهم يمكن استيعاب رأي ميرلوبونتي الذي يرى أن الذات لا تعبّر عن نفسها إلا بتنشيط الدلالات المترسّبة والمتاحة ، فاللغة ضمن هذه الدلالات وربما بنية اللا شعور النفسية ضمنها أيضا . وهكذا نعي هنا عملية الإحالة بكونها فعلا ينفصل فيه الشعور عن العلم أو الموضوع لينشئ نفسه . فيصبح الوجود معنى بالنسبة للشعور ومتعلّقا به واللغة واسطة . عندها يشتق الآخر من التكوين الأصلي للأنا المفكر ego cogito . ومن خلال هذا البعد الفلسفي نحاول فهم الألفاظ والكرامات الصوفية ، بكونها نصوصا وإشارات ورموزا تمثّل الحقيقة عند الصوفي ، ينطق بها ويشعر فيها ، بل إنها مشتقّة وصادرة عن إنّيته . إنها على الرغم من بعض غرابتها عن الرؤى والمعارف الإسلامية الأخرى إلا أنها ما أدركه وعرفه الصوفي واعتقده . لذا فهي جديرة بالدراسة والتحليل لما تمثّله من إبداع معرفي ونظرة شمولية متعالية للعالم والوجود بأكمله . كما تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد أي جزء من أي تجربة إنسانية يمكن استنفاده كليّا من قبل التحليلات العلمية التجريبية والوضعية . أي الأرجح أن لا يتمّ اكتشاف ثابت ونهائي لمعنى الوجود البشري ، ولآلية وعيه وتكوين أخلاقه وعمله وفهمه النصوص بأجمعها دينية أو غير ذلك . إن عدم العثور على قانون علمي ثابت واستحالة ذلك تجعل التحليل أو النقد أسير الحالة التأويلية القائمة في ذات المحلّل الشاعرة المفسّرة ، ومتحدّدة ضمن تبدّيات العارف وذهنياته وأحكامه عقلية رابطة أم حدسية وجدانية . لقد حفرت التجربة الصوفية عميقا ضمن هذا التوجّه وتركت إرثا ، من النصوص والمصطلحات والطرق والروايات ، غزيرا غزارة خيال الصوفي وغنية غنى وجدانه وطاقته النفسية المعطاءة الطامحة مطمح الكمال ، والمتعالية في النظر تعال لا حدود له سوى المطلقية الزمانية والمكانية والخالقية معا .