السيد محمد حسين الطهراني

61

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

وَأيْمُ اللهِ يَمِيناً أسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ لأرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إلى القُرْصِ إذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً ، وَتَقْنَعُ بِالمِلْحِ مَأدُوماً ، وَلأدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعُهَا . [ 1 ] فالإمام يقول هنا : إنّني ارَوضُ نفسي واذلّلها واربّيها بهذه الطريقة ، فيا له من معنى كبير للرياضة أن تكون بمعنى التأديب ! إنّ النفس الإنسانيّة هيولائيّة ، أي أنّها قابليّة محضة واستعداد صرف ؛ فإن أهملت تربيتها سقطت في أحطّ الدركات وأسوئها ، وفاقت في الوحشيّة كلّ شيطان ووحش مفترس ، أمّا لو ادِّبت لارتقت إلى أعلى علّيّين ولفاقت الملائكة » . ثمّ قلتُ : « أليس الأمر كذلك ؟ » قال : « بلى ! » . ولقد بُهِتَ من كلامي بهذا النحو ، أمّا رفيقاه فاستبدّ بهما الوجد والشغف ، لكأنّ أمراً معضلًا لديهما قد انحلّت عُراه المستعصية . ولقد تصوّر الحقير آنذاك أنّ هذا البيان قد غيّر طريق هذا الشخص ونهجه ، وأنّه ليس لديه ثمّة انتقاد لمسألة ضرورة الأستاذ وإعطاء الوِرد والذِّكر وللمحاسبة والتأمّل ، ولكن مع الأسف ، فحين جاءوا إلى المنزل مرّة أخرى - بعد سنة تقريباً - وتطرّق الكلام إلى هذه المقولة ، رأيتُ أنّه يكرّر نفس المطالب السابقة ، فعلمتُ أنّ كلامي وبياني لم يستطع اقتلاع أساس أفكاره المسجّلة واستئصالها ، وأنّ ذلك الأسلوب والنهج صار كالعادة التي لها حكم الطبع الثانويّ المقترن بروحه ، والمتحوّل جزءاً من غرائزه . نعم ، لقد كان السرّ الحقيقيّ لإعلانات ذلك الرجل وتأييد الرجل

--> [ 1 ] - « نهج البلاغة » الرسالة 45 ، وفي طبعة مصر ، مطبعة عيسى البابي وهامش الشيخ محمّد عبده : ج 2 ، ص 74 .