السيد محمد حسين الطهراني

617

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

وَألْهِمْنَا الانْقِيَادَ لِمَا أوْرَدْتَ عَلَينَا مِنْ مَشِيَّتِكَ حتّى لَا نُحِبَّ تَأخِيرَ مَا عَجَّلْتَ ، وَلَا تَعْجِيلَ مَا أخَّرْتَ ، وَلَا نَكْرَهَ مَا أحْبَبْتَ ، وَلَا نَتَخَيَّرَ مَا كَرِهْتَ - الدعاء . 1 ومن الجليّ أنّ هذه الطلبات لا تتجاوز لقلقة اللسان ما لم يحصل للإنسان الشهود العينيّ للتوحيد ؛ كما أنّ هذه الحالات لن ترسخ لدى الإنسان إلّا بانكشاف التوحيد الأفعاليّ والأسمائيّ الذي سيُظهِر هذه المعاني ، ومن هنا فإنّ طلب هذه المعاني هو طلب للتوحيد . ويقول كذلك في « الصحيفة » : وَلَا تَشْغَلْنِي بِمَا لَا ادْرِكُهُ إلَّا بِكَ ، عَمَّا لَا يُرْضِيكَ عَنِّي غَيْرُهُ . 2 أي : عرّفني نفسك بمعونتك ومساعدتك ليمكنني الاشتغال بما يرضيك ، وأن لا أشتغل حال الغفلة والنسيان بأعمال أخرى ؛ وهو أمر لا يحصل إلّا بانكشاف التوحيد للإنسان . ويخاطب في « الصحيفة » ساحة العزّ الربوبيّ : لَكَ يَا إلَهِي وَحْدَانِيَّةُ العَدَدِ ، وَمَلَكَةُ القُدْرَةِ الصَّمَدِ . 3

--> 1 - الدعاء الثالث والثلاثون ، وهو دعاء الاستخارة ، الفقرة 5 . 2 - « الصحيفة الكاملة السجّاديّة » الدعاء 47 ، الفقرة 108 . 3 - « الصحيفة الكاملة السجّاديّة » الدعاء 28 ، صدر الفقرة 10 ، عدّ السيّد عبد الله شبّر في كتاب « مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار » ج 1 ، ص 191 إلى 194 ، طبعة مطبعة الزهراء ، بغداد ، الحديث رقم 27 ؛ هذه الفقرة من الأحاديث المشكلة فقال : وظاهر الحديث مناف لما اتّفق عليه أهل التوحيد من نفي الوحدة العدديّة عنه تعالى ودلّ عليه العقل والنقل ، لأن حقيقة الوحدة العدديّة ومعروضها إنّما هو هويّات عالم الإمكان ، فهي قصارى الممكن بالذات ، وإنما الذي يطلق عليه تعالى هو الوحدة الحقيقيّة . وأما النقل فقول أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبة : الوَاحِدُ بِلَا تَأوِيلِ عَدَدٍ ؛ وفي بعضها : وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ ، قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ . وما رواه الصدوق في « التوحيد » و « الخصال » و « معاني الأخبار » بإسناده عن شريح بن هاني قال : إنّ أعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ! أتقول إنّ الله واحد ؟ قال : فحمل الناس عليه وقالوا : يا أعرابيّ ! أما ترى ما فيه أمير المؤمنين عليه السلام من تقسيم القلب ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : دعوه ! فإنّ الذي يريده الأعرابيّ هو الذي نريده من القوم . ثمّ قال : يا أعرابيّ ! إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام ؛ فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه . فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ؛ أما ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة . وقول القائل : هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز لأنّه تشبيه ؛ وجلّ ربُّنا وتعالى عن ذلك . وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ . وقول القائل إنّه أحديّ المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، وكذلك ربّنا عزّ وجلّ . والمعنى الأوّل الذي نفاه عليه السلام هو الوحدة العدديّة بمعنى أن يكون له ثان من نوعه . والمعنى الثاني أن يكون المراد صنفاً من نوع ، فإنّ النوع يطلق في اللغة على الصنف ، وكذا الجنس على النوع كما يقال لروميّ مثلًا : هذا واحد من الناس ، أي صنف من أصنافهم . والمعنيان المثبتان الأوّل منهما إلى نفى الشريك والثاني إلى نفي التركيب . وعلى كلّ حال فقد ذكر علماؤنا وجوهاً في توجيه هذه الفقرة الشريفة ؛ ثمّ يذكر المرحوم شبّر هنا وجوهاً ثمانية يصحّ بكلّ منها معنى وحدانيّة العدد . وفي نظر الحقير فإنّ أحسن تلك الوجوه هو الوجه السابع الذي نقله عن الفاضل الشريف السيّد علي خان المدنيّ مع توضيح مفصّل من أنّ حاصل المعنى : إنَّهُ لَا كَثْرَةَ فِيكَ ، أيْ لَا جُزْءَ لَكَ وَلَا صِفَةَ لَكَ تَزِيدَانِ على ذَلِكَ .