السيد محمد حسين الطهراني
595
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
ولأجل هذه الغيرة الإلهيّة فإنّ من يفشي سرّ الله يجد الله سبحانه في مقام معارضته ومواجهته ليسقطه ويخرجه من الحرم . وهذا الإخراج من الحرم يمثّل أشدّ عذاب متصوّر للسالك . وهكذا يفقد السالك بهذا الجرم حالاته تدريجيّاً ، ثمّ تخبو حالاته المعنويّة ومكاشفاته الروحيّة وتخمد حتّى تزول تماماً ، وتبقى صورها العلميّة فقط في دائرة خواطره . وبسبب تدرّج هذا الخمود من جهة ، ولبقاء الصور العلميّة لدى السالك من جهة أخرى ، فكثيراً ما يحصل أن لا يلتفت السالك إلى هذا السقوط التدريجيّ غير الدفعيّ ، فيعدّ نفسه - كما في السابق - صاحب أسرار خفيّة وعلوم ملكوتيّة ؛ مع أنّ شيئاً لم يبق لهذا المسكين ، فهو يبهج نفسه بالخواطر والصور العلميّة . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِايَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، وَامْلِي لَهُمْ إ نَّ كَيْدِي مَتِينٌ . [ 1 ] إن إفشاء سرّ الله من جملة التكذيب بالآيات ، ذلك لأنّ الله سبحانه يفتح - بإخفاء أسراره - طريق السلوك للجميع ، في حين أنّ إفشاءها سيغلق الطريق أمام الكثير . لأنّ الذين لا يمتلكون قابليةً لتحمّلها سيرفضونها وسيكذّبونها ، فيغلقون بهذا الرفض الطريق على أنفسهم وعلى الآخرين ، وهذا الإغلاق في الحقيقة هو إلّا تكذيب لآيات الله ، وسببه إفشاء الأسرار الإلهيّة . خلافاً لأولياء الله الذين يفتحون سبيل الله وطريقه أمام الخلق ، ويهدون الناس إلى الحقّ من خلال علاقتهم بعالم الأمر وغيب الملكوت . ويتحتّم على هؤلاء كتمان السرّ ليمكنهم هداية جميع الخلق إلى الحقّ . ومن هنا فقد جاء في الآية التي سبقتها :
--> [ 1 ] - الآيتان 182 و 183 ، من السورة 7 : الأعراف .