السيد محمد حسين الطهراني
35
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
والبكاء وقراءة أشعار ابن الفارض وتفسير النكات العرفانيّة العميقة ودقائق أسرار عالم التوحيد والعشق والهيام الذي لا يوصف لأبي عبد الله الحسين عليه السلام . وكان باب المكاشفات مفتوحاً للرفقاء الحاضرين في تلك الجلسات ، وخاصّة للحاجّ عبد الزهراء ، وكان الحاجّ عبد الزهراء يبيِّن مطالب شيِّقة ، ممّا جعل شهر رمضان ذاك مشحوناً بالهيجان والطلاقة والبساطة بشكل يبعث على العَجب . وكان الحاجّ عبد الزهراء يبكي في تلك المجالس حتّى تتورّم عيناه ، ويدوم ذلك منه ساعات ، ثمّ يقوم إلى داخل المسجد فيديم البكاء ويهوي للسجود على حصير مفروش هناك . كان طافحاً بالوَلَه واللوعة والشوق اللاهب ، ذلك اللهب المحرق الذي كان يمتدّ إلى الآخرين فيؤثِّر فيهم . قال لي سماحة السيّد الحدّاد ذات ليلة بعد ذهاب الحاجّ عبد الزهراء إلى المسجد بعد البكاء الطويل المقرح للعيون : يا سيّد محمد الحسين ! أترى هذا البكاء وهذه اللوعة ؟ إنّ لديّ ما يزيد عليها مائة « قاط » ( مائة ضعف ) لكنّ ظهورها وبروزها بشكل آخر . هذا وقد اعتاد الحقير على العودة إلى المنزل قبل الأذان بثلاثة أرباع الساعة ، وكان الطريق يستغرق عشر دقائق تقريباً ؛ فقال لي السيّد ذات ليلة : لما ذا تنهض كلّ ليلة وتذهب إلى البيت لتناول السحور ؟ إنّني أجلب معي بعض الطعام فأتسحّر به ، فابق معي نتسحّر سويّاً ! وهكذا بقيت معه في الليلة التالية للسحور ، فذهب قرب الأذان إلى منزله - ولم يكن يبعد عن المسجد كثيراً - وعاد بخوان ، وكان عبارة عن قميص عربيّ ( دشداشة ) لأحد أبنائه ، وقد وُضع فيه قَدَرٌ من الفجل والتمر ورغيفان من الخبز ؛ فوضعه على الأرض وقال : باسم الله ! ولقد أمضينا تلك الليلة بقدر من الخبز والفجل وبضع تميرات ، ثمّ