السيد محمد حسين الطهراني
415
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
في الذمّ أو المدح ، وهكذا كان ديدنه في المطالب التي يذكرها شفاهاً ، وأشبهه في ذلك المرحوم المحدِّث القمّيّ : الحاجّ الشيخ عبّاس . كما سلك المرحوم الميرزا محمّد علي المدرّس سبيل الإنصاف في « ريحانة الأدب » فكان يدوّن ما ثبت لديه لا يتعدّى ذلك النهج خطوة واحدة . وقد ضمّن الجزء الخامس من كتابه هذا شرحاً جيّداً عن محيي الدين وعرّفه بمذهبه اللمالكيّ ؛ فقال بعد شرح أحواله : إنّ مسألة كون ابن العربيّ شيعيّاً أو سنّيّاً وانتمائه إلى مذهب العدليّة أو الجبريّة ، وعقائده الأخرى محلّ خلاف بين أصحاب السير . فقد كفّره الملّا سعد التفتازانيّ والعلّامة السخاويّ وجمع آخر لمحض مخالفة ظاهر بعض كلماته للشرع ، وكان الشيخ أحمد الأحسائيّ يلقّبه ب - مميت الدين بدلًا من محيي الدين ، بينما عدّه عبد الوهّاب الشعرانيّ وصاحب « القاموس » وجماعة آخرون من أكابر العرفاء والأولياء . وقد حرّم جلال الدين السيوطيّ وبعض آخر شرعاً مطالعةَ كتبه مع إذعانهم لمقام ولايته . والحكم في هذه الأمور خارج عن موضوع الكتاب ، وموكول إلى الكتب المبسوطة . 1 تعظيم الملّا صدرا وعبد الوهّاب الشعرانيّ لمحيي الدين بن عربي ولقد دأب حكيمنا العظيم الشأن وفيلسوفنا المفكِّر المتعبِّد : الملّا صدر الدين الشيرازيّ أعلى الله درجته كلّما نقل في كتبه مطلباً عن محيي الدين ، وخاصّة في « الأسفار الأربعة » على ذكر اسمه بمنتهى الإعظام والإجلال ، أمّا إذا نقل مطلباً عن ابن سينا فكأنّه كان لا يعدّه فيلسوفاً ، ويذكره بتعبير : قال بعض الفلاسفة وأمثالها . 2
--> 1 - « ريحانه الأدب » ج 5 ، ص 255 إلي 259 . 2 - فيقول مثلًا في باب الوجود الذهنيّ من « الأسفار » ج 1 ، ص 266 ، الطبعة الحروفيّة ، المطبعة الحيدريّة ، سنة 1379 ه - . ق : وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ الجَلِيلُ مُحْيِي الدِّينِ العَرَبِيّ الأنْدَلُسِيّ قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ في كِتَابِ « فُصُوصُ الحِكَم » - إلى آخره . ويقول في مبحث كيفيّة علمه تعالى ، ج 6 ، ص 286 : قَالَ العَارِفُ المُحَقِّقُ مُحْيِي الدِّينِ العَرَبِيّ في البَابِ السَّابِعِ وَالسَّبْعِينَ وَثَلَاث مِائَةٍ مِنَ « الفُتُوحَات المَكِّيَّةِ » اعْلَمْ - إلى آخره . ويقول في بحث أصالة الوجود ، ج 1 ، ص 48 : وَمَا أكْثَرَ مَا زَلَّتْ أقْدَامُ المُتَأخِّرِينَ حَيْثُ حَمَلُوا هَذِهِ العِبَارَاتِ وَأمْثَالَهَا المَوْرُوثَة مِنَ الشَّيْخِ الرَّئِيسِ وَأتَرَابِهِ وَأتْبَاعِهِ على اعْتِبَارِيَّةِ الوُجُودِ - إلى آخره . وفي بحث ثبوت البرزخين للأرواح ، ج 9 ، ص 45 ، يقول : هُوَ مَا قَالَهُ قُدْوَةُ المُكَاشِفِينَ مُحْيِي الدِّينِ العَرَبِيّ : عَلَيك أنْ تَعْلَمَ أنَّ البَرْزَخَ . . . . ثمّ يختم الملّا صدرا كتابه « الأسفار » بكلام من محيي الدين ، وباعتبار روعة هذا المطلب وإجماله فنحن نورده هنا . يقول في ج 9 ، ص 382 ، في نهاية بحث المعاد : قَالَ العَارِفُ المُحَقِّقُ في « الفُتُوحَاتِ المَكِّيَّةِ » في البَابِ السَّابِعِ وَالأرْبَعِينَ مِنْهَا : فَلَا تَزَالُ الآخِرَةُ دَائِمَةَ التَّكْوِينِ فَإنَّهُمْ يَقُولُونَ في الجِنَانِ لِلشَّيءِ الذي يُرِيدُونُهُ : كُنْ فَيَكُونُ ، فَلَا يَتَمَنَّونَ فِيهَا أمْراً وَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ خَاطِرٌ في تَكْوِينِ أمْرٍ إلَّا وَيَتَكَوَّنُ بَيْنَ أيْدِيِهِمْ ، وَكَذَلِكَ أهْلُ النَّارِ لَا يَخْطُرُ لَهُمْ خَاطِرٌ خُوْفاً مِنْ عَذَابٍ أكْبَر مِمَّا هُمْ عَلَيهِ إلَّا وَيَكُونُ فِيهِمْ ذَلِكَ العَذَابُ وَهُوَ خُطُورُ الخَاطِر . فَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ تَقْتَضِي تَكْوِينَ الأشْيَاءِ حِسَّاً بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الخَاطِرِ وَالهَمِّ وَالإرَادَةِ وَالشَّهْوَةِ كُلُّ ذَلِكَ مَحْسُوسٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ في الدُّنْيَا أعْنِي الفِعْلَ بِمُجَرَّدِ الهِمَّةِ لِكُلِّ أحَدٍ . - انتهى كلامه . ثمّ يقول الملّا صدرا : وَمَنْ عَرَفَ كَيْفِيَّةَ قُدْرَةِ اللهِ في صُنْعِ الخَيَالِ وَمَا تَجِدُهُ النَّفْسُ بَلْ تُوجِدُهُ بِإذْنِ اللهِ مِنْ صُوَرِ الأجْرَامِ العَظِيمَةِ وَالأفْلَاكِ الجِسْمِيَّةِ السَّاكِنَةِ وَالمُتَحَرِّكَةِ وَالبِلَادِ الكَثِيرَةِ وَخَلَائِقِهَا وَأحْوَالِهَا وَصِفَاتِهَا في طَرْفَةِ عَيْنٍ ، هَانَ عَلَيهِ التَّصْدِيقُ .