السيد محمد حسين الطهراني
372
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
الدنيا إنّها بلا أثر وإنّها ليست إلّا فَناءً محضاً ؟ ! وكيف تعتبرون أمثال فرعون ونمرود والشيطان مقهورين مسخّرين لأمر الحقّ ؟ ليس هذا منكم إلّا عين الكفر ونسبة القبح إلى الله تعالى . بَيدَ أنّ هؤلاء يجهلون أنّ هناك فارقاً بين التكوين والتشريع ، فعالَم التكوين والوجود والإيجاد يتحرّك في طريقٍ له معيّن ، كما أنّ مسائل عالم التشريع تمثّل مسائل أخرى مختلفة ينبغي عدم خلطها ومزجها مع بعضها ، وإلّا كانت العاقبة ظهور أمثال هذا التكفير والتفسيق . ومن العجيب أنّ محيي الدين بن عربي نفسه قد استشهد في مقدِّمة « الفتوحات » بكلام سيّد العابدين وإمام الساجدين عليه السلام ونقل عنه بيتين من الشعر . يقول محيي الدين : لو لم يكن كتمان السرّ واجباً ، وكانت أسرار التوحيد قابلة لإدراك جميع الناس ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ الرَّضِيّ مِن حَفَدَةِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ معنى إذْ قَالَ : يَا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ * لَقِيلَ لِي أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَا وَلَاسْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي * يَرَوْنَ أقْبَحَ مَا يَأتُونَهُ حَسَنَا 1
--> 1 - « الفتوحات المكّيّة » ج 1 ، ص 32 ، طبعة المطبعة الأميريّة ، مصر ، في مقدِّمة الكتاب ؛ أقول : مجموع هذه الأشعار أبيات أربعة : إنّي لأكْتُمُ مِنْ عِلْمِي جَوَاهِرَهُ * كَيلَا يَرَي الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَنِنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ في هَذَا أبُو حَسَنٍ * إلى الحُسَيْنِ وَأوْصَى قَبْلَهُ الحَسَنَا مع البيتين اللذين ذكرهما محيي الدين . وقد نقل صاحب « الغدير » هذه الأبيات في كتابه ، ج 7 ، ص 35 و 36 ، الطبعة الأولى ، المطبعة الحيدريّة ، طهران ، سنة 1372 ، عنه عليه السلام ، ويقول في الهامش : أوردها الآلوسيّ في تفسيره ، ج 6 ، ص 190 ، عنه عليه السلام . وأقول : أوردها المرحوم المحقّق الفيض الكاشانيّ في مقدِّمة كتاب « الوافي » وفي « الأصول الأصيلة » ص 167 ، عن الإمام عليه السلام . ويقول المحدِّث الارمويّ في هامشه عليه : إنّ نسبة هذه الأشعار للإمام زين العابدين عليه السلام مشهورة ، وهي مأثورة عنه في أغلب كتب المصنّف رحمة الله عليه حتّى أنّ الغزّاليّ قد نقلها في كتبه ونسبها إلى الإمام عليه السلام . وقد أورد عبد الوهّاب الشعرانيّ في مقدِّمة الجزء الأوّل ص 21 من « اليواقيت والجواهر » طبعة مكتبة الحلبيّ لسنة 1378 ، الفصل الثالث ، في بيان إقامة العذر لأهل الطريق في تكلّمهم في العبارات المغلقة على غيرهم ، حكاية عن محيي الدين قَالَ : نَقَل الإمَامُ الغَزَّالِيّ في « الإحْيَاء » وَغَيْرِهِ عَنِ الإمَامِ زَيْنِ العَابِدِينَ عَلِيّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ : . . . يذكر هنا البيتين الواردين في « الفتوحات » ثمّ يقول بعدها : وَالمُرَادُ بِهَذَا العِلْمِ الذي يَسْتَحِلُّونَ بِهِ دَمَهُ هُوَ العِلْمُ اللدُنِّيّ الذي هُوَ عِلْمُ الأسْرَارِ ، لَا مَنْ يَتَوَلَّى مِنَ الخُلَفَاءِ وَمَنْ يَعْزِلُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، لأنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِلُّ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ دَمَ صَاحِبِهِ وَلَا يَقُولُونَ لَهُ : أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَ - انتهى . فَتَأمَّلْ في هَذَا الفَصْلِ فَإنَّهُ نَافِعٌ لَكَ وَاللهُ يَتَوَلَّى هُدَاكَ .