السيد محمد حسين الطهراني

343

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

ويبيّن ابن الفارض هذه المحبّة والعشق بهذا التعبير : وَعِنْدِي مِنْهَا نَشْوَةٌ قَبْلَ نَشْأتِي * مَعِي أبَداً تَبْقَى وَإنْ بَلِيَ العَظْمُ [ 1 ] أي إنّ عشقي وسكري من شرابه كان قبل خلقي وإيجادي وسيبقى هكذا إلى الأبد ولو بليت عظامي ونخرت . فلقد جعل حافظ بدء العشق مقترناً من بدء الخلقة المادّيّة والطبيعيّة وقرن نهايته بالموت الطبيعيّ ، لكن ابن الفارض يعتبر بدايته قبل الخلقة بآلاف السنين وهو باق ومستمرّ إلى النهاية بعد الخلقة . وحقّاً فقد ضمّن ابن الفارض في هذه النكتة الواردة في هذا البيت معنى التجرّد عن الزمان والمكان للنفس الآدميّة ، وعدّ لها الأبديّة والأزليّة في سير مدارج النزول والصعود ، بينما لم يبلغ شعر حافظ هذه الذروة . يقول ابن الفارض في البيت اللاحق : عَلَيكَ بِهَا صِرْفاً وَإنْ شِئْتَ مَزْجَهَا * فَعَدْلُكَ عَنْ ظَلْمِ الحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ والظَّلْم بالظاء المفتوحة هو الريق وماء الفم ، فيكون معنى البيت : عليك بذات المحبوبة ونفسها ( وعدم التنازل عنها إلى غيرها ) وإن شئتَ أحياناً التنازل عن ذاتها ونفسها فأردت مزج تلك الذات الصرفة والنفس المجرّدة النورانيّة بشيء آخر ، فلا تتعدّ ريقها ورحيقها وامزجه بذات المحبوبة ؛ ولا تلتفت إلى شيء آخر غير رحيق فمها ، لأنّ ذلك ظلم ،

--> [ 1 ] - « ديوان ابن الفارض » ص 143 ، السطر 35 ، القصيدة الميميّة ، طبعة دار صادر ، بيروت ، سنة 1382 ه - . ق .