السيد محمد حسين الطهراني
225
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
/
--> أنّ مصلحة إنسانٍ ما في زمن معيّن تتمثّل في حياته ، كما يعلم أنّ مصلحته في زمن آخر تتمثّل في مماته ؛ فإن كان صلاح الإنسان في الحقيقة في موته وراح يسعى نحو الحياة ، فإنّه سيكون بذلك طالباً لشرّ نفسه لا لخيرها . إنّ على الإنسان أن يذهب إلى الطبيب حين يمرض وينشد العافية وطول العمر ، لأنّ هذه الأمور هي في حدّ ذاتها خير ، لكن عليه أن يكون مسلّماً أمره لله في كلّ حال ، موطّناً نفسه على ما قُدِّر له ، فإن جاء أجله فعليه أن يستقبله بَاسِم الوجه غير ملتفت إلى عالم الطبيعة بنظره ، ولا باكٍ على ما ضاع من نعمها ، ففي ذلك يكمن الخطر الكبير . ونحن بحمد الله ومنّه نعيش في ظلّ مدرسة التشيّع ، حيث تتألّف أمامنا « الصحيفة الكاملة السجّاديّة » كالمصباح الكبير المشعّ للاقتداء بنهج ذلك الإمام الصادق ، لذا نبتهل بدعاء الاستخارة وهو الدعاء الثالث والثلاثين ، إلى ساحة الجليل سبحانه : وَألْهِمْنَا الانْقِيَادَ لِمَا أوْرَدْتَ عَلَينَا مِنْ مَشِيَّتِكَ حتّى لَا نُحِبَّ تَأخِيرَ مَا عَجَّلْتَ ، وَلَا تَعْجِيلَ مَا أخَّرْتَ ، وَلَا نَكْرَهَ مَا أحْبَبْتَ ، وَلَا نَتَخَيَّرَ مَا كَرِهْتَ - الدعاء . ونقرأ في الدعاء المرويّ عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله : اللهُمَ أحْيِنِي مَا دَامَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي وَأمِتْنِي إذَا كَانَ المَمَاتُ خَيْراً لِي . وقد ورد في كتاب « مفاتيح الجنان » ص 351 و 352 ، كتاب « الباقيات الصالحات » أنّ الإمام محمّد التقيّ عليه السلام قال : وَكَانَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ يَقُولُ إذَا فَرِغَ مِنَ الصَّلَاةِ : اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ وَإسْرَافِي على نَفْسِي وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي . اللهُمَّ أنْتَ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ ، بِعِلْمِكَ الغَيْبَ وَبِقُدْرَتِكَ على الخَلْقِ أجْمَعِينَ ، مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْراً لِي فَأحْيِنِي ؛ وَتَوَفَّنِي إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْراً لِي - الدعاء . فإن كنّا جادّين في سؤالنا الحياة من الله سبحانه ما دام الموت خيراً لنا ، أفلا نكون خاطئين إذاً ؟ أوَ لا نكون قد طلبنا خلاف الحقّ والواقع ؟ ! نعم ، لقد كانت حالي تسوء يوماً بعد آخر ، ومرض اليرقان يستشري في جميع سطح بدني حتّى آل الأمر بحيث لم تعد صفرة المنديل الأصفر تتميّز عن صفرة الجلد ، وذلك لأنّ مادّة السوداء السامّة لم تكن لتجد طريقها إلى الخارج بسبب انسداد قناة « كوليدوك » ؛ ثمّ أجريت العمليّة الجراحيّة واستغرقت أكثر من ثلاث ساعات ، كان الحقير خلالها فاقداً للوعي ، واستمرّ فقدان الوعي سبع ساعات كاملة . وكانت العمليّة بلطف الباري تعالى شأنه العزيز موفّقة وسليمة للحدّ الذي شهد معه جميع أطبّاء مستشفى القائم أنّني لو كنت قد ذهبت إلى الخارج وأجريتها في أرقى مركز طبّيّ في العالم لما كان يتصوّر أن تُجرى أفضل ممّا أجريت فعلًا . نعم ، لقد اتّفق لعيني نظير هذه المسألة بعد ذلك بسنتَين ، فقد تمزّقت شبكيّة العين اليمنى بلا سابق إنذار أو سبب ظاهر ، وكان تمزّقها يشبه حدوة الحصان ، وحسب اصطلاح الأطبّاء « في محور الساعة 12 و 20 دقيقة » ، ولم أعد أرى فيها ، وعجز جميع أطبّاء مشهد وطهران عن معالجتها وأجمعوا على ضرورة الذهاب للخارج ، فقلت كذلك إنّني لن أذهب إلى الخارج ولو فقدتُ البصر . ولكن ، وبعد أن فحص عيني الشابّ الغيور القيّم الفاهم : الدكتور الحاجّ السيّد حميد السجّاديّ ، قال : يجب أن تُجرى لهذه العين عمليّة جراحيّة على الفور وبلا تأخير ؛ وحتّى أنّه لم يعطِ الرخصة في مغادرة المستشفى ، وقال : أعجب من قول الأطبّاء في وجوب الذهاب إلى الخارج ، فالعين كانت ستتلف في هذه المدة القصيرة . ثمّ قام بإجراء العمليّة بمعونة ومساعدة تلميذه الممتاز الصديق العزيز المؤمن الملتزم الدكتور الحاجّ حسن علي الشهرياريّ ، حيث دامت سبع ساعات كاملة ، وللّه الحمد والمنّة فقد تكلّلت بالنجاح التامّ والسلامة ممّا أدهش الجميع وأثار إعجابهم . وكما ترون فإنّني أكتب بالاستعانة بهذه العين التي أجريت لها العمليّة بعد ستّ سنوات من إجرائها . قَالَ أفَرَأَيْتُم ما كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ، أنتُمْ وَآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ ، فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، وَالذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ، وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ، وَالذي يُميتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ، وَالذي أطْمَعُ أن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ، وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . ( الآيات 75 إلى 85 ، من السورة 26 : الشعراء ) .