السيد محمد حسين الطهراني
198
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
حتّى يصل إلى قوله : وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا . [ 1 ] ولدينا في القرآن الكريم أن : لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حتّى تُنفِقُوا ممَّا تُحِبُّونَ [ 2 ] ؛ حيث إنّ الوصول إلى لقاء الأحديّة ومشاهدة الجمال والجلال الأزليّ هو من أفضل أقسام البرّ والخير ، ولن يكون ميسوراً بالطبع ، إلّا إذا صرف سالك طريق الله نظره عمّا يملك وأنفقه في سبيل الوصول لهذا الهدف الأعلى والمقصد الأسنى . كما أنّ مخاصمة وشتم المخاصم المعتدي ، والردّ عليه بالمثل هي من الغرائز الطبيعيّة للإنسان ، ومن الطبيعيّ أن يرغب كلّ شخص في إحقاق حقّه والاقتصاص من شاتمه ، لكنّ هذه الرغبات ناشئة جميعاً من الأهواء والرغبات النفسيّة ؛ فما لم يتخطّ الإنسان رغبات نفسه وآثارها ، فلن يصل إلى ما وراء النفس . فالتجرّد عن الهوى والهوس تجرّد عن الميول والرغبات النفسيّة ، كما أنّ الإصرار والإبقاء على المشتهيات النفسيّة واللذائذ الطبيعيّة والانغماس في الشهوات الحيوانيّة والأوهام الشيطانيّة وثورات الغضب السبعيّة كلّ ذلك يجعل وصول الإنسان إلى مقام التجرّد محالًا ، لأنّه يمثل الجمع بين النقيضَين . التجرّد هو التنزّه من النفس وآثارها النفسانيّة ، بينما الإصرار على مشتهيات النفس يعني الإصرار على إبقاء النفس وآثارها النفسانيّة ، وهما أمران يقعان على طرفي نقيض . ومن ثمّ ينبغي رفع اليد عن الرغبات والميول النفسيّة وتجاهلها ، ليتجلّى جمال زينة عالم ما وراء النفس .
--> [ 1 ] - الآية 72 ، من السورة 25 : الفرقان . [ 2 ] - الآية 92 ، من السورة 3 : آل عمران .