السيد محمد حسين الطهراني

190

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

وكنت أتحمّل ما تضيفه امّ زوجتي هذه فوق مصائبنا . حتّى كانت ليلة من ليالي الصيف ، عدت فيها إلى المنزل من الخارج بعد أن مرّ جزء من الليل ، تعباً مرهقاً وجائعاً وعطشاناً أريد الذهاب إلى الغرفة ، فرأيت امّ زوجتي جالسة قرب الحوض في ساحة المنزل وقد كشفت عن ساقيها من شدّة الحرّ وشرعتْ بصبّ الماء عليهما من الحنفيّة الموضوعة فوق الحوض ، وحين علمتْ أنّني قد دخلتُ المنزل ، شرعتْ في كيل كلمات التجريح والسباب والشتائم التي تخاطبني بها ، ولم أدخل إلى الغرفة ، بل اتّجهت نحو السلّم فصعدت إلى السطح لأستلقي هناك ، فرأيت أنّها رفعت عقيرتها وزادت نبرات صراخها بحيث صار الجيران يسمعونه فضلًا عنّي ، وهكذا فقد كالت لي سيل الشتائم والسباب ، واستمرّت تُعدّد وتعدّد حتّى عِيل صبري ، فهبطتُ الدرج بدون أن أنتهرها أو أردّ عليها بكلمة واحدة ، وخرجتُ من باب البيت فهمتُ على وجهي بلا هدف ، ورُحتُ أسير في الشوارع بلا قصد أو انتباه ، بل هكذا أسير في الشوارع دون أن أعرف إلى أين أذهب ؛ كنت أسير فقط . وفجأة رأيت في تلك الحال أنّني صرت اثنين : أحدهما السيّد هاشم الذي اعتدتْ عليه امّ زوجته وسبّته وشتمته ، والآخر هو أنا مجرّد ومحيط ومتسام لم ينلني سبابها وشتائمها ، فلم تكن أساساً تسبّ سيّد هاشم هذا ، ولم تكن لتسبّني أو تشتمني ، بل كان سيّد هاشم ذاك هو الجدير بكلّ أنواع القبيح من القول . أمّا سيّد هاشم هذا ، الذي هو أنا ، فلا يستحقّ أن يسبّ ، بل إنّها مهما سبّت وشتمت فإنّ ذلك لن يصل إليّ . فانكشف لي في تلك الحال أنّ تلك الحالة الرائعة التي حصلت لي والتي تبعث على السرور والبهجة إنّما حصلت إثر تحمّل تلك الشتائم والألفاظ القبيحة التي كالتها لي امّ زوجتي ، وأنّ إطاعة أمر الأستاذ المرحوم