السيد محمد حسين الطهراني

138

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

/

--> عبّاس الطهرانيّ : الحاجّ محمّد السيگاريّ . ويلزم هنا بيان تفسير رؤياه وتوضيحه لئلّا يتصوّر بعض من غير ذوي المعرفة أنّ هدف مرجعيّة الشيعة التي تمثّل النيابة الحقّة عن مقام الإمامة ، هو الوصول إلى زخارف الدنيا والتمتّع باللذائذ الحيوانيّة ، بل إنّ الأمر على العكس من ذلك تماماً ، وليس للمراجع الحقّة الشيعيّة إلّا تحمّل ثقل المشكلات والصعوبات والأذى . كلّ ذلك إبقاءً للشريعة الحقّة منزّهة عن تلاعب أيدي الأجانب والمخالفين ، ولتربية تلامذة حقيقيّين وواقعيّين للنهج الجعفريّ ولإحياء علوم التشيّع وآدابه عند الشيعة . ولقد كان المرحوم آية الله الحاجّ الشيخ عبّاس الطهرانيّ سالكاً ومراقباً لنفسه ، فهذه النِّعَم الدنيويّة واللذائذ المادّيّة والشهويّة تتجسّم للسالكين في طريق الله في عالم النوم والرؤيا بشكل آخر ، وهكذا الأمر بالنسبة للنِّعَم المعنويّة والروحيّة ونِعم الجنّة التي تتجلّى لهم بصورة أخرى غير تلك التي يراها الناس العاديّين في منامهم . وبعبارة أخرى فإنّ تعبير رؤيا السالكين يختلف عن تعبير نفس الرؤيا لغير السالكين . فالسالك يطوي الطريق إلى الله ، وهذا الطريق عبارة عن العبور من النفس الأمّارة وترك المشتهيات المادّيّة واللذائذ الشهويّة للّه وفي الله . وترك هذه الأمور - الذي عين أعمال التقرّب إلى الله - يتمثّل للسالك في النوم بصورة طعام لذيذ وفاكهة حلوة وبشكل روضة وبُستان وحشائش خضراء وماء صاف زلال . أي إنّ السالك حين يمتنع اليوم - مثلًا - عن تناول تفّاحة فيعطيها ليتيم ، يرى في رؤياه أنّه منهمك بتناول تفّاحة كبيرة ذات لون ومذاق لطيف ، وإذا ما قدّم السالك أحياناً لذّة نفسه فإنّه يرى تلك الليلة كأنّ عقرباً تلسعه . لذا فإنّ رؤيا المريدين والسالكين إلى الله هي بأجمعها رؤيا جميلة مفرحة ومُبهجة ، على الرغم من ابتلائهم في الدنيا بأشدّ أنواع الفقر والمسكنة وتحمّلهم لأقسى أذى الناس . ويستبين بهذا التوضيح المختصر الذي قُدّم هنا أنّ مائدة طعام الوليمة التي حضرها الحاجّ الشيخ عبّاس والسيّد الگلبايگانيّ كانت مائدة معنويّة ومائدة من الجنّة ، أي أنّها جزاء وثواب المرارات وتحمّل المشاكل في الدنيا في سبيل الله ، حيث توفّي الحاجّ الشيخ عبّاس قبل ثلاثين سنة فلم يصبح مرجعاً ، ويتفضّل الله على السيّد الگلبايگانيّ بطول العمر لينهض بهذا العبء . ولقد كانت أتعاب آية الله الگلبايگانيّ لإبقاء الحوزة المقدّسة العلميّة في قم والحفاظ عليها أتعاباً تستحقّ التقدير ، ولقد بيّن بنفسه للحقير بعضها قبل عصر الثورة وبعده في مجلس لم يضمّ سوانا نحن الاثنين . وقد قام الحقير بتدوين بعضها في كتاباتي الشخصيّة . إنّ نفس آية الله الگلبايگانيّ تمتاز بالصفاء والتألّق إلى حد كبير ، فهو حين يشخّص الحقّ يبقى عليه فلا يتجاوزه أو يتعدّاه . أبقاه الله وأيّده ذخراً للإسلام والمسلمين وعافاه الله من مرضه بمحمّد وآله الطيّبين .