السيد محمد حسين الطهراني
86
معرفة الإمام
كلمة « كمّي » في إطلاقها على العلوم الجابريّة بعض الإبهام والالتباس . اعتقاد جابر بابتناء علم الكيمياء على روح الأجسام ونفسها إن ما قصد إليه كتاب « علم الميزان » هو اكتشاف العلاقة القائمة في كلّ جسم من الأجسام بين ظاهره وباطنه . والعمليّة الكيميائيّة تظهر هكذا ، كما أشرنا سابقاً ، وكأنّها حالة مثاليّة من حالات التأويل ، أي : إخفاء الظاهر ، وإظهار الخفي . وكتاب « ميدان العقل » يشرح بإسهاب أنّ قياس طبائع الشيء ( من حرارة ، وبرودة ، ورطوبة ، ويبوسة ) هو في الآن نفسه قياس للكمّيّات التي اختصّتها منه نفس العالم ، أي : مدى شوق النفس لحلولها في المادّة . ومن هذا الشوق الذي يحدو النفس نحو العناصر الطبيعيّة ينشأ المبدأ الذي هو في أصل الموازين . وباستطاعتنا إذن أن نقول : إن تحوّل الأجسام مرهون بتحوّل النفس المرتدّة إلى ذاتها . والنفس هي عين المكان الذي يحدث فيه التحوّل . فالعمليّة الكيميائيّة تظهر وكأنّها عمليّة نفسيّة - روحيّة - . لا نقول ذلك لكي نجعل من النصوص الكيميائيّة رموزاً خرافيّة عن النفس ، ولكن لأنّ مراحل العملية المطبّقة حقّاً على مادّة حقيقيّة ملموسة ترمز إلى مراحل ارتداد النفس إلى ذاتها . إن المقاييس المعقّدة ، والأعداد الكبيرة التي توصّل إليها جابر بدقّة متناهية ليس لها أيّ معنى بالنسبة لمختبراتنا اليوم . ولمّا كان المبدأ والهدف ل - « علم الميزان » هو الوصول إلى قياس رغبة « نفس العالم » وتشوّقها للحلول في المادّة ، يصعب علينا إذن أن نرى فيه سبقاً في موضوع العلم الكمّيّ الحديث ، ولكنّه ، بالمقابل ، يمكن أن ينظر إليه على أنّه سبق علميّ في موضوع « الطاقة النفسيّة » التي تستدعي في أيّامنا هذه مجموعة كبيرة من الأبحاث . كان « ميزان » جابر « علم الجبر » الوحيد الذي يخوّله أن يلاحظ درجات « الطاقة الروحيّة » للنفس التي تحلّ في الطبائع ، ثمّ تتحرّر من هذه بواسطة الكيميائيّ الذي بتحريره للطبائع يحرّر نفسه أيضاً في آن واحد .