السيد محمد حسين الطهراني
61
معرفة الإمام
تكشف عنهم عند القنوط منهم ، فيكون وقوعها بهم موعظة ، وكشفها عنهم رحمة ؟ ! وقد أنكرت المُعَطِّلة ما أنكرت المانَوِيَّة من المكاره والمصائب التي تصيب الناس ، فكلاهما يقول : إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم ، لِمَ يحدث فيه هذه الأمور المكروهة ؟ ! والقائل بهذا القول يذهب به إلى أنّه ينبغي أن يكون عيش الإنسان في هذه الدنيا صافياً من كلّ كدر . ولو كان هكذا كان الإنسان يخرج من الأشرّ والعُتوّ إلى ما لا يصلح في دين ودنيا ، كالذي ترى كثيراً من المترفين ومن نشأ في الجدة والأمن يخرجون إليه ، حتى أنّ أحدهم ينسى أنّه بشراً وأنّه مربوب أو أنّ ضرراً يمسّه أو أنّ مكروهاً ينزل به ، أو أنّه يجب عليه أن يرحم ضعيفاً ، أو يواسي فقيراً ، أو يرثى لمبتلي ، أو يتحنّن على ضعيف ، أو يتعطّف على مكروب . فإذا واجهته المكاره وأحسّ بمرارتها اتّعظ وأبصر كثيراً ممّا كان عنه جاهلًا وغافلًا ، ورجع إلى كثير ممّا كان يجب عليه . والمنكرون لهذه الأدوية المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة ، ويتسخّطون لمنعهم من الأطعمة الضارّة ، ويكرّهون الأدب والعمل ، ويحبّون أن يتفرّغوا للّهو والبطالة ، وينالوا كلّ مطعم ومشرب ، ولا يعرفون ما تؤدّيهم إلى البطالة من سوء النشو والعادة ، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارّة من الآلام والأسقام ، وما لهم في الأدب من الصلاح ، وفي الأدوية من المنفعة ، وإن شاب ذلك بعض المكاره . « 1 »
--> ( 1 ) - قال الإمام الصادق عليه السلام في آخر خبر المفضّل : فأمّا أصحاب الطبائع فقالوا : إن الطبيعة لا تفعل شيئاً لغير معنى ولا تتجاوز عمّا فيه تمام الشيء في طبيعته ، وزعموا أنّ الحكمة تشهد بذلك . فقيل لهم : فمن أعطى الطبيعة هذه الحكمة والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها ، وهذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب ؟ ! فإن أوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الأفعال ، فقد أقرّوا بما أنكروا ، لأنّ هذه هي صفات الخالق . وإن أنكروا أن يكون هذا للطبيعة ، فهذا وجه الخلق يهتف بأنّ الفعل للخالق الحكيم . وقد كان من القدماء طائفة أنكروا العمد والتدبير في الأشياء ، وزعموا أنّ كونها بالعرض والاتّفاق ، وكان ممّا احتجّوا به هذه الآفات التي تلد غير مجرى العرف والعادة كالإنسان يولد ناقصاً أو زائداً إصبعاً ، أو يكون المولود مشوّهاً مبدل الخلق ، فجعلوا هذا دليلًا على أنّ كون الأشياء ليس بعمد وتقدير ، بل بالعرض كيف ما اتّفق أن يكون . وقد كان أرسطاطاليس ردّ عليهم فقال : إن الذي يكون بالعرض والاتّفاق إنّما هو شيء يأتي في الفرط مرّة لأعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها ، وليس بمنزلة الأمور الطبيعيّة الجارية على شكل واحد جرياً دائماً متتابعاً . ( « بحار الأنوار » ج 3 ، ص 149 ) . قال الشيخ كاظم المظفّر في هامش ص 121 من « توحيد المفضّل » المطبوع في بيروت : أرسطاطاليس لفظة يونانيّة معناها محبّ الحكمة . ويقال : أرسطو . وهو إحدى الشخصيّات العالميّة التي اشتهرت منذ قرون بعيدة . كان تلميذاً لأفلاطون بعد أن خلّفه على دار التعليم عند غيبته إلى صقليّة . نظر في الفلسفة بعد أن أتى عليه من العمر 30 عاماً . كان بليغ اليونانيّين وأجلّ علمائهم ، كما كان من ذوي الأفكار العالية في الفلسفة ، ويعرف بالمعلّم الأوّل ، لأنّه أوّل من جمع علم المنطق ورتّبه واخترع فيه . وقد عظم محلّه عند الملوك حتى أنّ الإسكندر الأكبر كان يمضي الأمور عن رأيه . عاش سبعاً وستّين سنة ، بعد أن توفّي في خلكيس عام 322 ق . م ، وله كتب كثيرة في مختلف العلوم .