السيد محمد حسين الطهراني
54
معرفة الإمام
- 2 - كلام الإمام عليه السلام في مصالح خلقة الإنسان والحيوان ثمّ إنّه في اليوم الثاني أورد على المفضّل الفصل الثاني ، وهو في خلقة الحيوان ، فقال عليه السلام : أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك من غيره . فكِّرْ في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه ، فلا هي صلاب كالحجارة ، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الأعمال ، ولا هي على غاية اللين والرخاوة ، فكانت لا تتحامل ولا تستقلّ بأنفسها ، فجُعلت من لحم رخو ينثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب وعروق تشدّه وتضمّ بعضه إلى بعض ، وغُلفت فوق ذلك بجلدٍ يشتمل على البدن كلّه . ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تُعمل من العيدان ، وتلفّ بالخرق ، وتشدّ بالخيوط ، ويطلى فوق ذلك بالصمغ ، فتكون العيدان بمنزلة العظام ، والخرق بمنزلة اللحم ، والخيوط بمنزلة العصب والعروق ، والطلاء بمنزلة الجلد . فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع ، جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميّتة . فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحريّ ألّا يجوز في الحيوان . وفكّر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنّها خُلِقَتْ على أبدان الإنس من اللحم والعظم والعصب ، أعطيت أيضاً السمع والبصر ، ليبلغ الإنسان حاجياته منها . ولو كانت عمياً صمّاً لما انتفع بها الإنسان ، ولا تصرّفت في شيء من مآربه . ثمّ مُنعت الذهن والعقل لتذلّ للإنسان ، فلا تمتنع عليه إذا كدّها الكدّ الشديد ، وحمّلها الحمل الثقيل . فإن قال قائل : إنّه قد يكون للإنسان عبيد من الإنس يذلّون ويذعنون بالكدّ الشديد ، وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن . فيقال في جواب ذلك : إن هذا الصنف من الناس قليل . فأمّا أكثر البشر ، فلا يذعنون بما