السيد محمد حسين الطهراني

52

معرفة الإمام

القاطع لحججهم أو أغضوا عنه إصراراً على العناد والجحود . إن الإمام عليه السلام حصر الطبيعة بين اثنين لا ثالث لهما ، وذلك لأنّها إمّا تكون ذات علم وحكمة وقدرة ، أو تكون خالية عن ذلك كلّه . فإن كان الأوّل فهي ما نثبته للخالق ، ولا فارق إذن بينهم وبيننا إلّا التسمية . وإن كان الثاني كان اللازم أن تكون آثارها مضطربة لا تقدير فيها ولا تدبير ، شأن من لا يعقل ويبصر ويسمع في أفعاله ، ولكنّنا نشاهد الآثار مبنيّة على العلم ، والحكمة ، والقدرة ، والتقدير . فلا تكون إذن من فعل الطبيعة العمياء الصمّاء ، وكانت الطبيعة غير الله العالم القادر المدبّر ، ولا تكون الطبيعة إذن إلّا سنّته في خلقه ، لا شيء آخر له كيان مستقلّ عن خالق الكون . ثمّ إن الإمام عليه السلام عاد إلى كلامه الأوّل ، فتكلّم عن وصول الغذاء إلى البدن وكيفيّة انتقال صفوه من المعدة إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفى للغذاء ، ثمّ صيرورته دماً ونفوذه إلى البدن كلّه في مجارٍ مهيّأة لذلك ، ثمّ كيفيّة تقسيمه في البدن وبروز الفضلة منه . فكأنّما الإمام كان الطبيب النطاسيّ الذي لم يماثله أحد في الطبّ ، والعالِم الماهر في التشريح الذي قضى عمره في عملية التشريح ، بل كشف الإمام في هذا البيان الدورة الدمويّة التي يتغنّى الغربيّون باكتشافها . وقد سبقهم إليها بما يقارب اثني عشر قرناً . « 1 » ثمّ ساق كلامه إلى نشوء الأبدان ونموّها

--> ( 1 ) - لفظ الإمام الصادق عليه السلام : ثمّ إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً وينفذ إلى البدن كلّه في مجاري مُهَيِّئة لذلك ، بمنزلة المجاري التي تهيّأ للماء حتى يطرد في الأرض كلّها . وينفذ ما يخرج من الخبث والفضول إلى مفائض قد اعدّت لذلك - . . . إلى آخره . من الحريّ بالعلم أنّ في كلامه عليه السلام نقاطاً تُميط اللثام عن الدورة الدمويّة التي اكتشفها العالِم الإنجليزيّ وليم هارفي William Harvey ( وُلد سنة 1578 م وتوفّي سنة 1756 م ) . لقد تحدّث الإمام عليه السلام هنا مفصّلًا عن دوران الدم في الشرايين والأوردة التي يكون القلب مركزها . لهذا يتسنّى لنا أن نقول بجرأة : إن أوّل مكتشفٍ للدورة الدمويّة هو الإمام عليه السلام . وكان الأطبّاء جميعهم يعتقدون أنّ توزيع الدم في الجسم يجري بصورة الشَّجَر وأغصانه وأوراقه . وأنّ الدم في هذه الأوردة الكبيرة والصغيرة حتى العروق الشعريّة ثابت غير متحرّك . والإمام الصادق عليه السلام ببيانه هذا قد وضّح وشرح بأنّ شجريّة الدم غير صحيحة ، بل الصحيح هو دوران الدم . ( نقلنا كلام الإمام عن « بحار الأنوار » ج 3 ، ص 68 ) .