السيد محمد حسين الطهراني

29

معرفة الإمام

له : تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة ؟ قال : إن صاحبي كان مخلّطاً يقول طوراً بالقدر وطوراً بالجبر ، فما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه . فقدم مكّة تمرّداً وإنكاراً على من يحجّ ، وكان يكره العلماء مجالسته ومساءلته لخبث لسانه وفساد ضميره . فأتى أبا عبد الله عليه السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه ، فقال : يا أبا عبد الله ! إن المجالس بالأمانات ، ولا بدّ لكلّ مَن به سعال أن يسعل ، أفتأذن لي في الكلام ؟ ! فقال الصادق عليه السلام : تكلّم بما شئتَ . فقال : إلَى كَمْ تَدُوسُونَ هَذَا البَيْدَرَ ، « 1 » وَتَلُوذُونَ بِهَذَا الحَجَرِ ، وَتَعْبُدُونَ هَذَا البَيْتَ المَرْفُوعَ بِالطُّوبِ وَالمَدَرِ ، وَتُهَرْوِلُونَ حَوْلَهُ كَهَرْوَلَةِ البَعِيرِ إذَا نَفَرَ ؟ ! إن مَنْ فَكَّرَ في هَذَا وَقَدَّرَ عَلِمَ أنَّ هَذَا فِعْلٌ أسَّسَهُ غَيْرُ حَكِيمٍ وَلَا ذِي نَظَرٍ . فَقُلْ فَإنَّكَ رَأسُ هَذَا الأمْرِ وَسَنَامُهُ ، وَأبُوكَ اسُّهُ وَنِظَامُهُ ! فقال أبو عبد الله عليه السلام : إن مَنْ أضَلَّهُ اللهُ وَأعْمَى قَلْبَهُ اسْتَوْخَمَ الحَقَّ وَلَمْ يَسْتَعْذِبْهُ ، وَصَارَ الشَّيْطَانُ وَلِيُّهُ يُوْرِدُهُ مَنَاهِلَ الهَلَكَةِ ثُمَّ لَا يُصْدِرُهُ . وَهَذَا بَيْتٌ اسْتَعْبَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَخْتَبِرَ طَاعَتُهُمْ في إتْيَانِهِ ، فَحَثَّهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَزِيَارَتِهِ ، وَجَعَلَهُ مَحَلَّ أنْبِيَائِهِ ، وَقِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ لَهُ . فَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ رِضْوَانِهِ ، وَطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى غُفْرَانِهِ ، مَنْصُوبٌ عَلَى اسْتِواءِ الكَمَالِ ، وَمُجْتَمَعِ العَظَمَةِ وَالجَلَالِ ، خَلَقَهُ اللهُ قَبْلَ دَحْوِ الأرْضِ بِألْفَي عَامٍ . فَأحَقُّ مَنْ اطِيعَ فِيمَا أمَرَ وَانْتُهِيَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ : اللهُ المُنْشِئُ لِلأرْوَاحِ وَالصُّوَرِ .

--> ( 1 ) - البيدر : الموضع الذي يُجمع فيه الحصيد ويُداسُ ويُدَقّ .