السيد محمد حسين الطهراني

176

معرفة الإمام

والتقوى هو إمام الشيعة . لذلك فإنّ أئمّة الشيعة الوارد ذكرهم في التأريخ ، والذين يتبعهم جميع الشيعة بوصفهم المقتدين المعصومين ، من أين نعرف أنّهم ليسوا كهؤلاء الأئمّة ؟ ! كلّ ما في الأمر أنّهم اتّخذوا طابع الطهارة والنزاهة والعصمة بسبب بُعد الفترة الزمنيّة . وعلى تعبير العامّة : لم يدخلوا الماء لكنّهم سبّاحون مؤهّلون . ونحن نلحظ عين هذه التهم منسوبة إلى الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين في كلمات أحمد أمين المصريّ . وعلم العارفون أنّ المرحوم كاشف الغطاء قد أخطأ في هذا الأمر وباع رسالته بقبوله لقب « الإمام » مع فهمه العميق وذكائه وبصيرته النافذة . وأنّ ما كان يدافع عنه في كتبه قد ذهب أدراج الرياح بقبوله إلصاق هذا اللقب به . وجعل شخصيّته مضاهية لشخصيّة الإمام في خضمّ تيّار الآراء والأهواء لشياطين مصر السنّة . « 1 »

--> ( 1 ) - نظم سيّد الفقهاء والمجتهدين ركن العرفاء والموحّدين آية الله المعظّم الميرزا السيّد علي القاضي أعلى الله درجته السامية غديريّة عصماء سنة 1356 ه - ، ومطلعها : خُذْ يَا وَلِيّ غَدَاةَ العِيدِ وَالطَّرَبِ * قَصِيدَةً هِيَ لِلأعْدَاءِ كَالشُّهُبِ وشرحها نجله الأكبر سيّد الفضلاء العظام فخر السادات والعرفاء العظام السيّد محمّد حسن القاضي الطباطبائيّ . وها هي قيد الطبع في جزءين : أحدهما في ترجمة الفقيد ، والآخر في ترجمة تلامذته ومعاصريه وأقاربه . وذُكرت هذه القصيدة في كتاب يدور حوله . ولمّا بلغ الشاعر هذين البيتين : ألَا إن مِنْ يَوْمِ السَّقِيفَةِ عَمَّمُوا * إمَامَ الهُدَى سَيْفاً مُقِيمَ الرَّوَاتِبِ ألَا إن مِنْ يَوْمِ السَّقِيفَةِ سُمَّ بِال - * - نقِيعِ الإمَامُ المجتبى في المَشَارِبِ فإنّ للشارح مطلباً في شرح لفظ الإمام . ولمّا كان شرحه متضمّناً رحلة المرحوم آية الله آل كاشف الغطاء إلى مصر . وتلقيبه بلقب الإمام وكنّا قد أوردنا ذلك لهذا نكتفي بلفظه العربيّ من غير ترجمة له : الإمام : كلّما جاء في كتب الشيعة لفظ الإمام فإنّهم يعنون به الأئمّة المعصومين الاثني عشر عليهم السلام . وخَصَّتِ الشيعة هذا اللقب بهم وسمحت للآخرين أن يلقّبوا علماءهم بكلّ ما يريدون . . . وما أكثر العلماء وأشدّ اختلاف الألقاب ؟ ! حجة الإسلام والمسلمين ، وآية الله وآية الحقّ ، وثقة الأنام ، وصدر الدين ، ومروّج الدين ، وهكذا بلا حدود ولا نهاية ، وليست هناك ضوابط معيّنة لمنح هذه الألقاب لهذا العالم أو ذاك . وذلك بسبب عدم وجود جامعات مبرمجة للعلوم الإسلاميّة لتعيين الرتب والمراحل الدراسيّة والدرجة العلميّة لتقدّم هذا وتأخّر ذاك ، وقديماً منحوا الفارابي لقب « المعلّم الثاني » ولا نعرف بصورة دقيقة على أيّ أساس ، ومنحوا الشيخ الطوسيّ لقب « شيخ الطائفة » وآخر لقب « المحقّق » أو « العلّامة » ، وهكذا لم يذكر التأريخ لنا ضوابط صحيحة لأسباب وكيفيّة منح الألقاب والسمات العلميّة إلّا بعض النوادر والقصص التافهة غير المسندة . والذي حدث في أيّامنا : أنّ سماحة الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ( العالم المتبحّر في العلوم العربيّة والمعارف الإسلاميّة » تهيّأت له سفرة إلى مصر عاصمة العالم الإسلاميّ - كما يعجبهم أن يسمّوها - واجتمع هناك بعلماء الأزهر الشريف . ولمّا كان عالماً قويّ المعارضة سريع البديهة خطيباً عملاقاً ومن عائلة علميّة وأسرة نجفيّة عريقة مُنح لقب « الإمام » ، لقد صدرت الصحف المصريّة مع اختلاف اتّجاهاتها وكثرة عددها تحمل نبأ ورود الشيخ إلى القاهرة واحتفاء الأزهر الشريف به مع لقب « الإمام كاشف الغطاء » عاد الشيخ إلى النجف وكأنّه فرح بهذا اللقب ، ولم يمنع أحداً ، أو لم يتيسّر له أن يمنع الآخرين - على الأقل في النجف - من تلقيبه بهذا اللقب مع علمه الأكيد بمحتوى اتّفاق الشيعة على هذا اللقب ، غير أنّ أولئك الذين منحوه هذا اللقب أو خاطبوه هكذا في الصحف والمجلّات يومذاك رأوه أكبر من اللقب الممنوح له ، أو على الأقلّ يوازيه في المرتبة والمكانة . وصادف أن سافر إليهم شيخ آخر لم يكن في منزلته العلميّة والأسرة والسوابق وكان دونه بمراحل ، منحوه أيضاً لقب « الإمام » وعند ذلك أدرك الشيخ غفر الله له وتغمّده برضوانه أنّ الغرض هو ضياع وإنزال لقب الإمام من المعنى والمرتبة الخاصّة به ، لا الحفاوة والاحترام والإكبار والإعظام للشيخ كاشف الغطاء .