السيد محمد حسين الطهراني

164

معرفة الإمام

وعلى أيّة حال ، فإنّ هذه الأسباب مجتمعة لم تتوفّر لأحد من الأئمّة غير الإمام الصادق . فقد كان للإمام عليّ حواريّون وأصحاب خلّص كميثم التمّار ، وكميل بن زياد ، وحجر بن عديّ ، ومحمّد بن أبي بكر وغيرهم ، ولكنّه مُنيَ في خلافته بالحروب والفتن الداخليّة . ولمّا انتقل إلى جوار ربّه عمل معاوية على طمس آثاره ، وقتل رجاله ، والقضاء على كلّ ما يمتّ إليه بسبب . أمّا عهد الحسنين والإمام السجّاد فهو عهد معاوية ، وولده يزيد ، وزياد ، وابنه عبيد الله ، وعبد الملك وشيطانه الحجّاج ، عهد مذابح الشيعة ومجازرهم ، واستشهاد أئمّتهم ، عهد سمّ الحسن ، ومذبحة مرج عذراء ، ومأساة كربلاء ، ووقعة الحَرَّة ، وما إليها . أمّا الإمام الباقر فهو المؤسّس الأوّل لمدرسة ولده الصادق . فقد كان له أصحاب وتلاميذ من كبار التابعين وأعيان الفقهاء والمحدّثين يتحلّقون حوله للدرس في مسجد جدّه الرسول ، ولكنّ الله سبحانه قد اختاره إليه قبل أن تبلغ هذه المدرسة الغاية في النموّ والازدهار ، فقبض في خلافة هشام ابن عبد الملك ، وهو ابن 57 سنة ، فخلفه ولده الإمام الصادق ، وتوالت على مدرسته حظوظ وتوفيقات شتّى ، حيث ربا عدد تلاميذها على ما كانوا أيّام أبيه ، وأصبح الذين يفدون إليها ، ويهتدون بهديها يعدّون بالألوف . وبعد الإمام الصادق عادت الظروف إلى قسوتها ، والحوادث إلى شدّتها على الأئمّة وشيعتهم ، ولكن المذهب كان قد انتشر في كلّ قطر ، وعرفت معالمه ، وتركّزت أسسه ، وحُفِظَ ودُوّنَ ، وعمل الناس به منذ أيّام الصادق ، حتى اليوم ، وإلى آخر يوم . وبالتالي ، فإنّ مذهب أهل البيت تبلور واتّخذ صورته واضحةً جليّةً ، وثبتت أركانه ودعائمه في عهد الإمام الصادق ، وأصبح للشيعة فقههم