السيد محمد حسين الطهراني

31

معرفة الإمام

وكان هشام من أعلم أهل القرن الثاني في علم الكلام ، والحكمة الإلهيّة ، وسائر العلوم العقليّة والنقليّة ، مبرّزاً في الفقه والحديث ، مقدَّماً في التفسير ، وسائر العلوم والفنون . وهو ممّن فتق الكلام في الإمامة ، وهذّب المذهب بالنظر . يروى عن الصادق والكاظم ، وله عندهم جاه لا يحيط به الوصف . وقد فاز منهم بثناءٍ يسمو به في الملأ الأعلى قدره . وكان في مبدأ أمره من الجهميّة . ثمّ لقى الصادق فاستبصر بهديه ولحق به ، ثمّ بالكاظم ففاق جميع أصحابهما . ورماه بالتجسيم وغيره من الطامّات مريد وإطفاء نور الله من مشكاته ، حسداً لأهل البيت وعدواناً . ونحن أعرف الناس بمذهبه ، وفي أيدينا أحواله وأقواله . وله في نصرة مذهبنا من المصنّفات ما أشرنا إليه ، فلا يجوز أن يخفى علينا من أقواله - وهو من سلفنا وفرطنا - ما ظهر لغيرنا ، مع بعدهم عنه في المذهب والمشرب ! دفاع الشهرستانيّ عن هشام بن الحكم على أنّ ما نقله الشهرستانيّ في « الملل والنحل » من عبارة هشام لا يدلّ على قوله بالتجسيم . وإليك عين ما نقله . قال : وَهِشَامُ بْنُ الحَكَمِ صَاحِبُ غَوْرٍ في الاصُولِ ، لَا يَجُوزُ أنْ يُغْفَلَ عَنْ إلزَامَاتِهِ عَلَى المُعْتَزِلَةِ ، فَإنَّ الرَّجُلَ وَرَاءَ مَا يُلْزِمُهُ عَلَى الخَصْمِ ، وَدُونَ مَا يُظْهِرُهُ مِنَ التَّشبِيهِ . وَذَلِكَ أنَّهُ ألْزَمَ العَلَّافَ فَقَالَ : إنَّكَ تَقُولُ : البَارِي عَالِمٌ بِعِلْمٍ وَعِلْمُهُ ذَاتُهُ ، فَيَكُونُ عَالِماً لَا كَالعَالِمِينَ ، فَلِمَ لَا تَقُولُ : هُوَ جِسْمٌ لَا كَالأجْسَامِ ؟ ! - انتهى . ولا يخفى أنّ هذا الكلام إن صحّ عنه فإنّما هو بصدد المعارضة مع العلّاف ، وليس كلّ من عارض بشيءٍ يكون معتقداً له ، إذ يجور أن يكون قصده اختبار العلّاف ، وسبر غوره في العلم ، كما أشار الشهرستانيّ إليه بقوله : فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم ، ودون ما يظهر من التشبيه .