السيد محمد حسين الطهراني
276
معرفة الإمام
لاحظوا مدى مقام مودّته في عالم الكثرات على أساس محبّة عالم الوحدة كم كان رفيعاً عالياً صحيحاً ، إذ إنّ قطرات من دموع ابنته العزيزة تحرق قلبه حسرةً . هذه كلّها نكات وحِكَم . ذكر المرحوم المحدِّث القمّيّ والمرحوم آية الله الشعرانيّ أنّه روى في بعض المقاتل أنّ الحسين عليه السلام لمّا نظر إلى اثنين وسبعين رجلًا من أهل بيته صرعى التفت إلى الخيمة ونادى : يَا سُكَيْنَةُ ! يَا فَاطِمَةُ ! يَا زَيْنَبُ ! يَا امَّ كُلْثُومَ ! عَلَيْكُنَّ مِنِّي السَّلَامُ « 1 » ! فنادته سكينةُ : يَا أبَه ! استَسْلَمْتَ لِلمَوْتِ ؟ ! فَقَالَ : كَيْفَ لَا يَسْتَسْلِمُ لِلمَوْتِ مَن لَا نَاصِرَ لَهُ وَلَا مُعِينَ ؟ ! . . . فَأقْبَلَتْ سُكَيْنَةُ وَهي صَارِخَةٌ وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبَّاً شَدِيداً . فَضَمَّها إلى صدره ومسح دموعها وقال : سَيَطُولُ بَعْدِي يَا سُكَيْنَةُ فَاعْلَمِي * مِنْكِ البُكَاءُ إذَا الحِمَامُ دَهَانِي لَا تُحْرِقِي قَلْبِي بِدَمْعِكِ حَسْرَةً * مَا دَامَ مِنِّي الرُّوحُ في جُثْمَانِي فَاذَا قُتِلْتُ فَأنْتِ أولى بِالَّذِي * تَبْكِينَهُ يَا خَيْرَةَ النِّسْوَانِ « 2 »
--> ( 1 ) - « نفثة المصدور في تجديد أحزان يوم العاشور » ص 38 و 39 ، الطبعة الحجريّة . قال المرحوم المحدِّث القمّيّ هنا : وقُبض الحسن المثنّى بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة . وضربت زوجته فاطمة ابنة الحسين عليه السلام على قبره فسطاطاً ، وكانت تصوم النهار وتقوم الليل إلى سنة . نقل ذلك الشيخ المفيد وكثير من علماء الشيعة والسُّنّة . وكان هذا شائعاً بين النساء المحترمات الحانيات . ( 2 ) - « نفس المهموم » ص 214 ؛ و « دمع السجوم » ص 184 . قال آية الله الشعرانيّ بعد هذه الأبيات : أيّاً كان قائل هذه الأبيات ، الإمام عليه السلام أو شخص آخر أنشدها على لسانه ، فلها مصداق ، إذ إنّ سكينة عمّرت طويلًا وكانت خيرة نساء عصرها . ولم تكن امرأة مثلها في كمال الشرف والأدب والعظمة . وكانت دارها مجمعاً للُادباء والشعراء ، والجميع ينتظرون منها الإكرام والعطاء ، ويقصدون زيارتها من مدن بعيدة .