السيد محمد حسين الطهراني

123

معرفة الإمام

وتقدّم الخليفة العبّاسيّ إلى أبي محمّد بن النَّسَويّ بالعبور وإصلاح الحال وكفّ الشرّ . فسمع أهل الجانب الغربيّ ذلك ، فاجتمع السُّنّة والشيعة على المنع منه ، « 1 » وأذّنوا في القلّائين وغيرها ب - : حَيّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ ، وأذّنوا في الكرخ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّومِ ، وأظهروا الترحّم على الصحابة ، فبطل عبوره . قال ابن الأثير في حوادث سنة 443 : في هذه السنة ، في صفر ، تجدّدت الفتنة ببغداد بين السُّنّة والشيعة ، وعظمت أضعاف ما كانت قديماً ، فكان الاتّفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض ، لما في الصدور من الإحَن . « 2 »

--> ( 1 ) - يدلّ التأريخ على أنّ النَّسَويّ هذا كان قد كُلِّف بحلّ الخلافات في سنة 440 أيضاً ، وكانت له جماعة ( كما في « المنتظم » 32085 - دُعي أبو محمّد بن النَّسويّ . . . فقُتل جماعة . . . ) لذلك عندما تناهي إلى أسماع الناس أنّه يريد المجيء مرّة أخرى لتسوية الخلافات سنة 441 ، اتّفق الشيعة والسُّنّة على منعه من التدخّل ، وعلى حلّ خلافاتهم فيما بينهم أنفسهم . ( 2 ) - ذكر المحقّق البصير والفقيه الخبير المرحوم الشيخ محمّد حسين المظفّر في كتاب « تاريخ الشيعة » ص 74 إلى 76 : وما انتشر التشيّع في العراق دون أن يلاقي النكبات والنكايات في أكثر أدواره . فمن أيّام بني اميّة ، وقد أشرنا فيما سبق إلى شيء من أعمالهم مع الشيعة ، إلى أيّام بني العبّاس ، غير أنّها تختلف فيها شدّة وضعفاً . ولو استنطقتَ التأريخ ، لأجابك عن بعض تلك النوازل بالتشنيع . ويكفيك أن تقرأ من تأريخ أبي الفداء ما جرى في حوادث عام 362 . فقد قال : وفي هذه السنة احترق الكرخ - وهي محلّة شيعيّة محضة - احتراقاً عظيماً ، وذكر سبب ذلك إلى أن قال : فركب الوزير أبو الفضل لأخذ الجُناة وأرسل حاجباً له يُسمّى صافياً في جمع لقتال العامّة بالكرخ ، وكان شديد التعصّب على الشيعة ، فألقى النار . في عدّة أماكن من الكرخ فاحترق احتراقاً عظيماً ، وكان عدّة من احترق سبعه عشر ألف إنسان ، وثلاثمائة دكّان ، وكثيراً من الدور ، وثلاثة وثلاثين مسجداً ، ومن الأموال ما لا يُحصى . ولا يغنيك من ابن الأثير أن تستعرض ما جرى في عام 401 ، و 406 ، و 408 و 443 ، و 444 ، إلى كثير سواها حتى قال عن حوادث عام 443 : وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجر مثله في الدنيا . ولو قرأت من كتاب « المنتظَم في تاريخ الملوك والأمم » لابن الجوزيّ ، ج 8 ، ما جرى من الحوادث في عام 441 وما بعده ، لعرفتَ كيف كانت الحال التي تجري الدموع دماً ، وتفتّت الأكباد ألماً ؟ ولقرأتَ ما جرى على الشيعة من القتل والنهب ، وعلى مساجدها من الهدم ، وعلى مشاهدها من الإساءة ، وعلى علمائها من الإهانة . حتى ذكر في حوادث عام 448 قَتْلَ أبي عبد الله الجلّاب شيخ البزّازين بباب الطاق وصلبه على باب دكّانه بدعوى أنّه يتظاهر بالغُلوّ في الرفض ، وهَرَبَ أبي جعفر الطوسيّ ، ونهب داره ( ص 172 ) . وذكر في حوادث عام 449 في صفر ، أنّ دار أبي جعفر الطوسيّ متكلِّم الشيعة بالكرخ كُبست . وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسيّ كان يجلس عليه للكلام ، واخرج إلى الكرخ مع ثلاثة مجانيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة ، فأحرق الجميع ، إلى غير ذلك من الحوادث المؤسفة . ولو استقريتَ « الحوادث الجامعة » لابن الفوطيّ على صغره ، لدلّك على عدّة حوادث وقعت في بغداد . ومنع المستعصم على ضعف سلطانه شيعة أهل البيت من قراءة مقتل الحسين عليه السلام في محلّة الكرخ ، والمختارة ، وسائر المحلّات الشيعيّة من جانبي بغداد . انظر : حوادث عام 641 و 648 و 653 ، إلى غيرها ممّا سبق ولحق . ولا تسأل عمّا صنعه العثمانيّون بالشيعة يوم اغتصبوا العراق من الصفويّة في المرّة الثانية عام 1047 من قتل ونهب واعتداء على الأبرياء وتعذيب لهم وإحراق الكتب . ولو سألتَ التأريخ عمّا شاهده الشيعة في العراق من رجال السلطات في عهود الظلمة والظلم ، لأجابك وهو يشرق بالريق من الألم ، ويسجّل لك الحال بمداد الدم . وما ذلك العهد ببعيد ، وقد أدركنا بعض أيّامه ، وجرى بعض من تركوه من حثالتهم عالة على العراق على تلك السيرة .