السيد محمد حسين الطهراني

60

معرفة الإمام

أمّا العفو الثاني فيشمل الذين واصلوا فرارهم وظنّوا بالنبيّ سوءاً ، وقالوا : لو كنّا على الحقّ ما قُتِلنا . وفيهم قال سبحانه : إنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ . ومن الطبيعيّ أنّ الكلام يحوم حول المؤمنين من الصحابة إذ كانوا فريقين ، ولا علاقة له بالمنافقين ، لأنّ الله تبارك وتعالى يبيّن حالة المنافقين كعبد الله بن ابيّ وزمرته في آيات أخرى مستقلّة ستأتي . « 1 » واعترف عمر نفسه أنّه فرّ يوم احُد . قال ابن أبي الحديد : « 2 » واحتجّ من روى أنّ عمر فرّ يوم احُد بما روى أنّه جاءته في أيّام خلافته امرأة تطلب بُرداً من برود كانت بين يديه ، وجاءت معها بنت لعمر تطلب بُرداً أيضاً ، فأعطى المرأة وردّ ابنته ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّ أبا هذه ثبت يوم احُد ، وأبا هذه فرّ يوم احُد ولم يثبت . « 3 »

--> ( 1 ) - استهدينا في هذا الموضوع بكتاب « الميزان في تفسير القرآن » ج 4 ، ص 43 إلى 54 . وقد عرضناه ملخّصاً . ( 2 ) - نقل ابن أبي الحديد في « شرح نهج البلاغة » ج 11 ، ص 100 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة ، رواية عن فضيل بن عياض في عمر ، قال فيها : أعطى رجلًا عطاءه أربعة آلاف درهم ثمّ زاده ألفاً . فقيل له : ألا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا ؟ قال : إنّ هذا ثبت أبوه يوم احُد ، وإنّ عبد الله فرّ أبوه ولم يثبت . ( 3 ) - ومن الأدلّة على فرار عمر وعثمان التشيّع الذي نسبه البعض إلى الواقديّ لأنّه لم يجعلهما في مكانتهما المعهودة كما جاء في كثير من مواضع كتابه ، ومن ذلك أنّه سمّي في كتابه عثمان وعمر ، أو عمر ، أو عثمان ، وعدّهما من الفارّين في غزوة احُد . قال الدكتور مارسدن جونس في ص 18 من مقدّمته على كتاب « المغازي » للواقديّ : مثلًا في المخطوطة التي اتّخذناها أصلًا لهذه النشرة ، نرى قائمة بمن فرّ عن النبيّ يوم احُد ، تبدأ بهذه الكلمات : وكان ممّن ولّى فلان ، والحارث بن حاطب ، وثعلبة بن حاطب ، وسواد بن غزية ، وسعد ابن عثمان ، وعقبة بن عثمان ، وخارجة بن عامر ، وقد بلغ « ملل » ، وأوس بن قيظي في نفر من بني حارثة ، بينما نرى النصّ عند ابن أبي الحديد عمر وعثمان بدلًا من فلان . ويروي البلاذريّ عن الواقديّ عثمان ، ولا يذكر عمر . ويظهر بوضوح أنّ النصّ في المخطوطة الامّ كان يذكر عثمان وعمر ، أو عمر وحده ، أو عثمان وحده ممّن ولّوا الأدبار يوم أحد . ولكنّ الناسخ لم يقبل هذا في حقّ عمر أو عثمان ، فابدل اسميهما أو اسم أحدهما بقوله : فلان . ولا شكّ أنّ نصّ الواقديّ الأصليّ وقع في أيدي طائفة من الشيعة وقرؤوا فيه هذه الأخبار التي أوردها في حقّ عمر وعثمان مثلًا ، فاعتقدوا أنّه شيعيّ قطعاً . انتهى موضع الحاجة من كلام الدكتور مارسدن جونس . وقال الواقديّ في مغازيه ، ج 1 ، ص 271 : حدّثنا يعقوب بن محمّد ، عن موسى بن ضمرة بن سعيد ، عن أبيه ، قال : اتِيَ عمرُ بن الخطّاب بمُروط ( المِرط كساء من خزّ أو كتّان ) ، فكان فيها مرط واسع جيّد . فقال بعضهم : إنّ هذا المِرط لثمن كذا وكذا ( المرط يُشبه الدِّثار في يومنا هذا ) فلو أرسلتَ به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفيّة بنت أبي عُبَيد - وذلك حِدثان ما دخلت على ابن عمر - فقال : أبعث به إلى من هو أحقّ منها ، امّ عُمارة نُسَيبة ابنة كعب . سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم احُد يقول : ما التفتُّ يميناً ولا شمالًا إلّا وأنا أراها تقاتل دوني . وهذه القصّة تماثل القصّة السابقة أيضاً .