السيد محمد حسين الطهراني
57
معرفة الإمام
ليس كذلك ، ولا يستفاد من الآية الكريمة المباركة أبداً أنّ الله قد عفا عنه وغفر له ؟ وعلينا أن نعرف سلفاً أنّ الفرار من ساحة القتال بلا عذر شرعيّ بيّنه الله ، كبيرة من الكبائر عموماً ، وهو من أشدّ أقسام المعاصي الكبيرة التي أوعد القرآن الكريم عليها جهنّم . قال تعالى : يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أوْ مَتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . « 1 » خلوّ الآية القرآنيّة من الدلالة على العفو عن عثمان بمعنى الغفران نلاحظ في هذه الآية أنّ المسلم لا يحقّ له أن يولّي العدوّ دبره إلّا في حالتين لا غير : الأولى : إذا أراد مثلًا أن ينتقل من الميمنة إلى الميسرة أومن القلب إلى الجناح لمصلحة قتاليّة . الثانية : إذا أراد أن يلحق بطائفة من المسلمين أو غير المسلمين ليستمدّهم القوّة والعِدّة والعُدّة للقتال . وفي غير هاتين الحالتين لا يجوز الفرار من لقاء الكفّار . ومَن فعل فإنّه موعَد بغضب الله وناره . « 2 » من خيانات عثمان
--> ( 1 ) - الآيتان 15 و 16 ، من السورة 8 : الأنفال . ( 2 ) - لا تقتصر خيانات عثمان وجناياته على الفرار من الزحف ، وإيواء معاوية بن المغيرة الذي مثّل بحمزة . وقتل السيّدة رقيّة بالضرب . فمن جناياته الأخرى إيواؤه ( خفيةً ) أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجلبه إلى المدينة . قال الطبريّ وابن الأثير في تاريخهما في باب خلافة عثمان : لمّا زادت المعارضات على عثمان بن عفّان ، وأنكر عليه الناس كثيراً من أموره ، استشار مروان بن الحكم ، ومعاوية . فأشارا عليه بإنفاذ عسكر لفتح إفريقية حتى ينشغل الناس به ، ولا يجدوا مجالًا للكلام فيه ، فَلَا يَكُونُ هِمَّةُ أحَدِهِمْ إلَّا دُبَرة خَيْلِهِ وَالقُمَّلُ يَجْرِي على ظَهْرِهِ . وكذلك ذكر الطبريّ ، وابن الأثير ، وصاحب « الاستيعاب » في ترجمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنّ عثمان سرّح جيشاً إلى إفريقية وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح . ولمّا فتح عبد الله إفريقية ، دفع إليه عثمان خراجها كلّه لم يُشرك معه أحداً . وعبد الله هذا هو الذي ارتدّ وكفر بعد إسلامه فهدر رسول الله صلى الله عليه وآله دمه . ولمّا سار رسول الله إلى فتح مكّة ، أوصى صحابته بقتله حيث وجدوه حتى لو كان متعلّقاً بأستار الكعبة . لكنّ عثمان أخفاه في مكّة . ولمّا تمّ فتح مكّة ، أتى به عثمان إلى رسول الله مستشفعاً . فلم يقل رسول الله شيئاً ، وانتظر حتى يقوم أحد أصحابه فيقتله . فقال عمر : هلّا أو مات يا رسول الله بقتله ؟ ! فقال : نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لَا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ لَنَا خَائِنَةُ الأعْيُنِ .