السيد محمد حسين الطهراني

14

معرفة الإمام

اذكروني ذكراً لا يخالطه نسيان ، وأطيعوا أمري إطاعة لا يشوبها عصيان ولا يُصغي إلى قول مَن يقول : إنّه أمر بما لا يُطاق ، فإنّه ناشئٌ من قلّة التدبّر في هذه الحقائق والبعد من ساحة العبوديّة . وقد عرفتَ فيما تقدّم من الكتاب أنّ إطلاق الفعل لا يدلّ إلّا على تلبّس ما ، بخلاف الوصف فإنّه يدلّ على استقرار التلبّس وصيرورة المعنى الوصفيّ مَلَكةً لا تفارق الإنسان . ففرقٌ بين قولنا : الَّذِينَ أشْرَكُوا ، والَّذِينَ صَبَرُوا ، والَّذِينَ ظَلَمُوا ، والَّذِينَ يَعْتَدُونَ ، وبين قولنا : الْمُشْرِكِينَ ، والصَّابِرِينَ ، والظَّالِمِينَ ، والْمُعْتَدِينَ . فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر واستقرّت فيهم هذه الفضيلة . وقد بان أنّ الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئاً ، وهو نعمة ، إلّا وذكر الله معه ، ولا يمسّ شيئاً ، وهو نعمة ، إلّا ويطيع الله فيه . مقام الشاكرين هو مقام المخلَصين الذي لا سبيل للشيطان إليه فقد تبيّن أنّ الشكر لا يتمّ إلّا مع الإخلاص للّه سبحانه علماً وعملًا ، فالشاكرون هم المخلصون للّه ، الذين لا مطمع للشيطان فيهم . وتظهر هذه الحقيقة ممّا حكاه الله تعالى عن إبليس . قال تعالى : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لُاغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ ، إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ . « 1 » وقال أيضاً : قَالَ رَبِّ بِمَآ أغْوَيْتَنِي لُازَيِّنَنَّ لَهُمْ في الأرْضِ وَلُاغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ ، إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ « 2 » . فلم يستثنِ من إغوائه أحداً إلّا المخلَصين ، وأمضاه الله سبحانه من غير ردّ . وقال تعالى : قَالَ فَبِمَآ أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لأتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ

--> ( 1 ) - الآيتان 82 و 83 ، من السورة 38 : ص . ( 2 ) - الآيتان 39 و 40 ، من السورة 15 : الحجر .