السيد محمد حسين الطهراني

257

معرفة الإمام

المَشَاعِرَ عُرِفَ أنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ ، وَبَتَجْهِيرِهِ الجَوَاهِرَ ( الطبائع والجبلّات والكائنات الموضوعة لعروض العوارض ) عُرِفَ أنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أنْ لَا ضِدَّ لَهُ ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أنْ لَا قَرِينَ لَهُ . ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ ، وَالجَسْوَ بِالبَلَلِ ، وَالصَّرْدَ بِالحَرُورِ ، « 1 » مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا ، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا ، دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا ، وَبِتَألِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : « وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » « 2 » ( واعلموا أنّ هذا العالم الفسيح المخلوق من ذَكَرٍ وأنثى هو تحت عناية الله تعالى ) « 3 » فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وَبَعْدٍ لِيُعْلَمَ أنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَلَا بَعْدَ ،

--> ( 1 ) - ذكر الشيخ المفيد مثل هذه الرواية في « الإرشاد » ، ص 125 ، الطبعة الحجريّة . قال : روى أهل السيرة وعلماء النقلة أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : يا أمير المؤمنين ! خبّرني عن الله تعالى أرأيته حين عبدتَه ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : لم أك بالذي أعبد من لم أره . فقال له : كيف رأيتَه ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويحك ! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، معروف بالدلالات ، منعوت بالعلامات ، لا يقاس بالناس ، ولا تدركه الحواسّ . فانصرف الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالاته . ( 2 ) - الآية 49 ، من السورة 51 : الذاريات . ( 3 ) - كانوا يظنّون في القديم أنّ الذكورة والأنوثة مخصوصة بالإنسان والحيوان ، ثمّ ثبت أنّ الأشجار والنباتات مشمولة بهذا الاختلاف ، فبعضها ذكر ، وبعضها أنثى . وقوله تعالى : وَأرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ يصرّح بهذا المعنى . أمّا الجمادات والأحجار فلا توالد ولا تناسل ولا ذكورة ولا انوثة فيها أبداً . والآية الكريمة : وَمِن كُلِّ شىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أثبتت أنّ الله خلق من كلّ شيء زوجين ذكر وأنثى . وثبت اليوم في علم الفيزياء أنّ جميع الأجسام وذرّاتها حاملة لإحدى القوّتين المختلفتين : إمّا فيها كهربائيّة موجبة أو سالبة . وإذا كان هذان النوعان من جنس واحد واجتمعا في مكان واحد ، كرقّاصَي الساعة اللذين فيهما شحنتان موجبتان أو سالبتان ، فانّهما يتدافعان . وإذا كانا من جنسين كالرقّاص الذي له شحنة موجبة مع الرقّاص الذي له شحنة سالبة ، فانّهما يتجاذبان . وأنّ الكلام المعجز لأمير المؤمنين عليه السلام : مؤلّف بين متعادياتها ، مفرّق بين متدانياتها ، ثمّ استشهاده عليه السلام بالآية الكريمة : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ يبيّن موضعه ومحلّه جيّداً .