السيد محمد حسين الطهراني

201

معرفة الإمام

وروى أيضاً أنّ أبا الأسود كان في بصره سوء ، وله بنت تقوده إلى عليّ عليه السلام ، فقالت : يَا أبَتَاه ! مَا أشَدَّ حَرُّ الرَّمْضَاءِ ، تريد التعجّب ( وهذا لحن ، والصحيح أن تقول : يَا أبَتَاهْ ! الرَّمْضَاءُ مَا أشَدَّ حَرَّهَا ، أو تقول : مَا أشَدَّ حَرَّ الرَّمْضَاءِ ! ) فنهاها عن مقالتها ، وأخبر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك ، فأسّس علم النحو . وروى كذلك أنّ أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة . فقال له رجل : مَنِ المُتَوَفِّي ؟ ( وهو يريد : مَنِ المُتَوَفَّي ؟ ) فقال : اللهُ . ثمّ أخبر عليّاً عليه السلام بذلك ، فأسّس علم النحو . وعلى كلّ وجه ، كتب أمير المؤمنين عليه السلام أصول علم النحو في رسالة وأعطاها أبا الأسود وقال له : مَا أحْسَنَ هَذَا النَّحْوَ ! احْشُ لَهُ بِالمَسَائِلِ . فَسُمِّيّ نَحْوَاً . « 1 »

--> ( 1 ) - قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتابه الثمين « الإمام جعفر الصادق » هامش ص 29 : روى الأنباريّ في « تأريخ الأدباء » أنّ سبب وضع عليّ كرّم الله وجهه لهذا العلم ما روى أبو الأسود الدؤليّ حيث قال : دخلتُ على أمير المؤمنين عليّ ، فوجدتُ في يده رقعة . فقلتُ : ما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إنّي تأمّلتُ كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء ( يعني الأعاجم ) ، فأردتُ أن أضع شيئاً يرجعون إليه . ثمّ ألقى إليّ الرقعة ومكتوب فيها : الكلام كلّه اسم وفعل وحرف . فالاسم ما أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما انبئ به ، والحرف ما أفاد معنى . وقال لي : انح هذا النحو ، وأضف إليه ما وقع عليك . واعلم يا أبا الأسود أنّ الأسماء ثلاثة : ظاهر ، ومضمر ، واسم لا ظاهر ولا مضمر . وإنّما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر ( أراد بذلك الاسم المبهم ) . قال [ أبو الأسود ] : ثمّ وضعتُ بابَي العطف والنعت ، ثمّ بابَي التعجّب والاستفهام إلى أن وصلتُ إلى باب إنّ وأخواتها ، فكتبتُها ما خلا لكنّ . فلمّا عرضتها على أمير المؤمنين عليه السلام ، أمرني بضمّ لكنّ إليها . وكلّما وضعتُ باباً من أبواب النحو ، عرضتُه عليه ، إلى أن حصلت ما فيه الكفاية . فقال : ما أحسنَ هذا النحو الذي نحوتَ ، فلهذا سمّى النحو . وأنّ المرء ليلاحظ أنّ هذا الفتح العظيم في العلم كان من اهتماماته ، وهو أمير المؤمنين ، ليس لديه يوم واحد خلا من معركة أو استعداد لمعركة . وأنّ أبا الأسود هو واضع علامات الإعراب في المصحف في أواخر الكلمات بصبغ يخالف لون المداد الذي كتب به المصحف . فجعل علامة الفتح نقطة فوق الحرف . والضم نقطة إلى جانبه ، والكسر نقطة في أسفله ، والتنوين مع الحركة نقطتين . ثمّ وضع نصر بن عاصم - تلميذ أبي الأسود - النقط والشكل لأوائل الكلمات وأواسطها . ثمّ جاء الخليل بن أحمد فشارك في إتمام بقيّة الإعجام . والخليل شيعيّ كأبي الأسود . وهو واضع علم العروض وصاحب المعجم الأوّل وواضع النحو على أساس القياس . فاللغة العربيّة مدينة لعليّ وتلاميذ عليّ . وكمثلها البلاغة العربيّة . وعليّ معدود من خطباء التأريخ العالميّ بخطبه والمناسبات التي دعت إليها .