السيد محمد حسين الطهراني

116

معرفة الإمام

والواقعة في كلّ مكان . ومن الواضح أنّ تعليم مثل هذه العلوم ليس كتعليم العلوم الظاهريّة التي يكون الذهن مركزها ، إذ تنقل الموضوعات إلى الذهن تدريجيّاً بواسطة الذاكرة والقوّة المفكّرة والواهمة والحسّ المشترك ، ثمّ تخزن ويحافظ عليها . لا ، ليس كذلك ، بل يتحقّق تعليمها من خلال تصفية الباطن وتنوير البصيرة ، إذ يرتفع حجاب الزمان والمكان في الجملة عبر تحصيل التجرّد ، وينظر الإنسان إلى الوقائع والحوادث من وراء هذين التعيّنينِ والتقييدينِ ، ويشاهد ما كان وما يكون وما هو كائن ثابتاً وحاضراً . ومن الطبيعيّ أنّ مقام الإمام أعلى ممّا ذكرناه . فهو قد بلغ مقام التجرّد المطلق . وبالجملة ، رُفعت الحجب المعنويّة أيضاً من أمام بصيرته ، واجتاز الحجب العقليّة والنفسيّة ، وانتهت أسفاره الأربعة ، فهو لا يحيط بعالم الطبع والمثال فحسب ، بل يحيط بعالم العقل والنفس والموجودات العقلانيّة . بَيدَ أنّ هذا القدر من كشف الحجب المثاليّة والبر زخيّة التي تستلزم الاطّلاع على ضمائر العالم ومغيّباته موجود فيه . فهو حاضر في كلّ مكان ، ويراقب جميع الأشياء . معنى علم المنايا والبلايا والأعمار والملاحم والفتن وكان أمير المؤمنين عليه السلام قائماً على هذه الذروة من عَلَم العِلْم ، مستشرفاً العالَم بعين بصيرته ، مخصوصاً بذلك من قبل خاتم الأنبياء صلوات الله عليه . ورفع كثيراً من خاصّته وحواريّيه المخلصين الأحمّاء إلى هذه الدرجة . ومن هؤلاء جُوَيْرِيَة بْنِ مُسهِرٍ العَبْدِيّ الذي مرّ ذكره ، ومنهم رُشَيْد الهَجَريّ ، ومِيثم التَّمَّار ، وحبيب بن مظاهر الأسديّ ، وكان لهؤلاء جميعهم علم المنايا والبلايا والأعمار والفتن والملاحم . والمنايا جمع مَنِيَّة ، وهي الموت ومفارقة الدنيا . ومن كان له هذا العلم ، فهو مطّلع على آجال الناس ، ويعلم أين ومتى يموتون .