السيد محمد حسين الطهراني
99
معرفة الإمام
وكان جويرية بن مُسهر العَبْديّ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام . وهو رجل عظيم الشأن جليل القدر . علّمه الإمام علم المنايا والبلايا . وكان له قلب نيّر وضمير متألّق تنعكس فيه مخبّآت المستقبل . وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحبّه كثيراً حتى بلغ مبلغاً كان فيه من أخصّ خواصّه . وارتفع الحجاب والبينونيّة بينه وبين الإمام . استشهد قبل واقعة كربلاء إذ قطعت يده ورجله ، وصُلب في حُبّ وولاية سيّد الأحرار أمير المؤمنين عليه السلام . وقال المفيد في « الإرشاد » وهو يتحدّث عن معجزات الإمام وإخباره بالغائبات : إخبار الإمام عليه السلام بمقتل جويرية ومن ذلك ما رواه العلماء أنّ جويرية بن مسهر وقف على باب القصر ( قصر الإمارة ) بالكوفة . فقال : أين أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فقيل له : نائم . فنادي : أيُّهَا النَّائِمُ اسْتَيْقِظْ ! فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَتُضْرَبَنَّ ضَرْبَةً عَلَى رَأسِكَ تُخْضَبُ مِنْهَا لِحْيَتُكَ ، كَمَا أخْبَرْتَنَا بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ . فسمعه أمير المؤمنين عليه السلام ، فنادي : أقْبِلْ يَا جُوَيْرِيَةُ حتى احَدِّثَكَ بِحَدِيثِكَ . فأقبل جويرية . فقال عليه السلام : وَأنْتَ وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُعْتَلَنَّ إلَى العُتُلِّ الزَّنِيمِ وَلَيَقْطَعَنَّ يَدَكَ وَرِجْلَكَ ثُمَّ لَتُصْلَبَنَّ تَحْتَ جِذْعِ كَافِرٍ . « 1 »
--> ( 1 ) - روى المجلسيّ هذه الفقرة من الحديث في « بحار الأنوار » ج 9 ، ص 582 عن « الخرائج والجرائح » للراونديّ ؛ ونقل أيضاً قصّة جويرية في كتابه المذكور ، ج 9 ، ص 593 ؛ ومن الطبعة الحديثة ج 41 ، ص 342 ، و 343 وذلك عن « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد : روى إبراهيم بن ميمون الأزديّ عن حبّة العُرَنيّ قال : كان جويرية بن مسهر العبديّ صالحاً ، وكان لأمير المؤمنين عليه السلام صديقاً ، وكان عليه السلام يحبّه . نظر يوماً إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يسير ، فناداه : يَا جُوَيْرِيَةُ ! ألْحِقْ بِي فَإنِّي إذَا رَأيْتُكَ هَوَيْتُكَ . قال إسماعيل بن أبان : حدّثني الصباح ، عن مسلم ، عن حبّة العرنيّ قال : سرنا مع عليّ عليه السلام يوماً ، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيداً ، فناداه : يَا جُوَيْرِيَةُ ! ألْحِقْ بِي لَا أباً لَكَ ! ألَا تَعْلَمْ أنِّي أهْوَاكَ وَاحِبُّكَ ؟ فركض جويرية نحوه ، فقال له : إنّي محدّثك بأمور فاحفظها ، ثمّ اشتركا في الحديث سرّاً . فقال له جويرية : إنّي رجل نسيّ . فقال الإمام : أنا اعيدُ عليك الحديث لتحفظه . ثمّ قال له في آخر ما حدّثه إيّاه : يَا جُوَيْرِيَةُ ! أحْبِبْ حَبِيبَنَا مَا أحَبَّنَا ، فَإذَا أبْغَضَنَا فَأبْغِضْهُ ، وَأبْغِضْ بِغَيضَنَا مَا أبْغَضَنَا فَإذَا أحَبَّنَا فَأحْبِبْهُ . فكان ناس ممّن يشكّ في أمر عليّ عليه السلام يقولون : أنراه جعل جويرية وصيّه كما يدّعي هو من وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله . يقولون ذلك لشدّة اختصاصه له حتى دخل على عليّ عليه السلام يوماً وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه ، فناداه جويرية : أيُّهَا النَّائِمُ ! اسْتَيْقِظْ . ثمّ ذكر جميع المطالب التي أوردناها في المتن كالمحاورة ، وخضاب اللحية من دم الرأس ، وقطع اليد والرجل والصلب ، ذكرها كلّها بنفس الألفاظ . ( « شرح نهج البلاغة » ج 2 ، ص 290 و 291 ، طبعة دار الإحياء ) .