السيد محمد حسين الطهراني
97
معرفة الإمام
وغيرهم . وكان كلّ منهم يقود أربعة آلاف جنديّ . وتحرّكوا بجيشهم البالغ ثلاثين ألفاً لحرب الحسين صلوات الله عليه ، وعبّئوا أنفسهم من أجل حطام الدنيا ، وجوائز يزيد ، وابن زياد ، ورئاسة مؤقّتة زائلة في مصر من الأمصار ، وأمثال ذلك . وأراقوا دم بضعة المصطفى في صحراء كربلاء ظالمين له ، وناهضين بوجه الحقّ والتوحيد والعدالة . وأعمتهم زخارف الدنيا الخدّاعة وطبعت على سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم حتى نسوا جميع الخطب التي خطبها إمام المتّقين وسيّد الأوّلين والآخرين أمير المؤمنين عليه السلام ، وإخباره بالغائبات ، وجهاده للّه ودينه . حقّاً حُبُّ الشَّيءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ . فمن أحبّ شيئاً ، فإنّ عينه تعمى عن رؤية غيره ، واذُنَه تصمّ عن سماع سواه ، ولا يعد يدرك إلّا مطلوبه ومقصوده ، ويختم بيده على قلبه وبصيرته ، ويحبس نفسه في غار الشيطان المظلم الدامس ، ومطمورة الجنّ ، وهوى النفس الأمّارة . ولعلّ حبيب بن جمار الذي جاء عند أمير المؤمنين عليه السلام كان يومئذٍ صادقاً فيما ادّعاه من تشيّعه ، ولم يَدُر في خلده ، ولم يَجُل في ظنّه أنّه سيحمل يوماً على كتفه راية يزيد وعمر بن سعد . بَيدَ أنّ الربّ الحكيم يفتن الناس ويبتليهم حتى تظهر بواطنهم ، وتنكشف خفيّاتهم وما يخبّئون في سويداء قلوبهم ، ممّا قد يعزب عنهم أنفسهم . وعندئذٍ يُساق إلى الجنّة من كان أهلًا لها ، ويساق إلى جهنّم من كان أهلًا لها . وكان البراء بن عازب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن أنصار أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان حيّاً يوم استشهد أبو عبد الله الحسين عليه السلام بَيدَ أنّه لم يرفده ولم ينصره ، فعاش متحسّراً حتى مماته ، ولكن هل يغني التحسّر شيئاً ! وما على المؤمن إلّا أن يكون بصيراً واعياً مغتنماً للفرصة في المواقف المطلوبة .