السيد محسن الحكيم
تقديم 26
دليل الناسك
التي يواجهونها في حياتهم والمواساة لهم ، وكيفية الصمود والصبر على هذه الآلام والمعاناة ، والاستفادة من هذه التجارب . وهذا المدلول هو ما نراه في الأنبياء والأولياء والصالحين ، ممن عرفوا الفقر في حياتهم . كما هو واضح في حياة الأنبياء من أولي العزم . والمدلول الآخر السلبي ، هو ما يمكن أن نصفه بالشعور بالحاجة إلى الناس ، والاحساس بالنقص ، ومحاولة الهروب من هذا الواقع الأليم ، والخروج من هذا الوسط الممتحن ، من خلال طلب المال بكل الوسائل ، والحرص على جمعه ، والاستزادة منه ، والبخل في الانفاق على النفس والآخرين . ويمكن أن نلمس في شخصية الإمام الحكيم المدلول الأول ، بشكل واضح من خلال ما عرفناه في الجانب الأول من سيرته الذاتية في الاعتماد على الله والنفس ، ولكن بالإضافة إلى ذلك ، يمكن أن نشير إلى المظاهر التالية في سلوكه ، والذي يؤثر على هذا المدلول . الأول : الزهد ، والالتزام بالمستوى المعيشي البسيط ، والمتواضع ، والمهذب من التشريفات والتزيينات إلى آخر عمره ، سواء في سلوكه الشخصي في المأكل ، والملبس ، والمسكن ، والمركب ، أم في سلوكه العائلي ، أم في سلوكه الاجتماعي ، حيث كان الفراش الذي يستعمله يمتد به العمر أكثر من ثلاثين إلى خمسين عاما ، ويكتفي به هو وزوجه أن يكون نظيفا طاهرا ، وفي الملابس سواء في شكلها ، أم محتواها ، وأسلوب تقمصها ، بقي يباشر نفس المستوى والطريقة التي كان عليها في شبابه دون تغيير ، وهكذا في مأكله ومسكنه ، حتى أن البيت الذي بناه في أواخر أيامه أحد المؤمنين في الكوفة ، لم يكن يختلف في بساطته عن بيوت الطبقة دون المتوسطة من الناس في كل شؤونه . وفي ديوان الاستقبال كان يجلس للناس متواضعا على البسط الخفيفة الأفغانية ، والفرش الرخيص ، وفي الغرفة الضيقة ذات الجدران العادية ومن دون طلاء ، والأخشاب المتواضعة جدا ، وفي طريقة استقبال الناس ولقائهم ، والحديث إليهم ومجالستهم ، كل ذلك كان يعبر بوضوح عن هذا المستوى