السيد محمد حسين الطهراني
30
معرفة الإمام
الطعام الأربعة [ أي : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما اهِلَّ لغير الله به ] الواردة في بعض السور المكيّة ، وترك تفصيل ما يندرج فيها ممّا كرهه الإسلام للمسلمين من سائر ما ذكر في هذه الآية إلى ما بعد فتح مكّة إنّما هي التدرّج في تحريم هذه الخبائث والتشديد فيها ، كما كان التدرّج في تحريم الخمر لئلّا ينفر العرب من الإسلام ولا يرون فيه حرجاً عليهم ، خصوصاً أن الكفار كانوا يأملون أن يرتدَّ إليهم من آمن من الفقراء وهم أكثر السابقين الأوّلين . جاء هذا التفصيل للمحرّمات بعد قوّة الإسلام ، وتوسعة الله على أهله وإعزازهم ، وبعد أن يئس المشركون بذلك من نفور أهله منه وفرارهم من تكاليفه ، وزال طمعهم في الظهور عليهم ، وإزالة دينهم بالقوّة القاهرة . فكان المؤمنون أجدر بأن لا يبالوهم بمداراتهم ، وأن لا يخافوهم على أنفسهم وعلى دينهم . فالله سبحانه يخبر المؤمنين في هذه الآية أنَّ الكفّار أنفسهم قد يئسوا من زوال دينهم وأنه ينبغي لهم - وقد بدّلهم بضعفهم قوّة ، وبخوفهم أمناً ، وبفقرهم غني - أن لا يخشوا غيره تعالى ، [ وينتهوا عن تفاصيل المحرّمات التي نهى الله عنها في الآية ، ففيها كمال دينهم ] . « 1 » إنَّ هذا القائل أراد الجمع بين عدّة من الاحتمالات المذكورة ليدفع بكلّ احتمال ما يتوجّه إلى الاحتمال الآخر من الإشكال . فتورّط بين المحاذير برمّتها وأفسد لفظ الآية ومعناها جميعاً . أوّلًا : غفل عن أنَّ المراد بالياس إن كان هو الياس المستند إلى ظهور الإسلام وقوّته ، وهو ما كان بفتح مكّة أو بنزول آيات سورة براءة وقراءتها
--> ( 1 ) - « تفسير المنار » الشيخ محمّد عبده ، ج 6 ، ص 153 و 154 ، تأليف السيّد محمّد رشيد رضا .