السيد محمد حسين الطهراني

31

معرفة الإمام

ولكم أن تقارنوا بين هذا المنطق ومنطق سيّد الموحّدين ومولى المتّقين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول : وَاللهِ لَوْ اعْطِيتُ الأقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أفْلَاكِهَا على أنْ أعْصِيَ اللهَ في نَمْلَةٍ أسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ ؛ وَإنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ في فم جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا ! مَا لِعَلِيّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَي وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى ؟ ! « 1 » ومنطق عمر يقارب منطق أبي سفيان الذي كان يخال أنّ الحكومة تمثّل ابّهة وجلالًا وعظمة من منظار هذه الدنيا وهذه النشأة . وكان ينكر الرابطة بين النبوّة والاتّصال بعالم الغيب ، والحكومة الإلهيّة الحقّة . وبعبارة أخرى ، كان يقول : إنّ ما قاله محمّد عن هذه الدنيا وحكومتها وإمارتها يتعلّق بشؤون هذه الدنيا . والحكومة ؛ والسلطنة ، فلا خبر من عالم الغيب . ولا معنى للارتباط به ، ولا معنى لخضوع هذا العالم لأحكام ذلك العالم . ولم يستطع أبو سفيان أن يتصوّر معنى الشهامة والتضحية والجهاد والإيثار للّه والحقيقة وبلا أيّ توجّه مادّيّ ؟ ولم يستطع أن يتصوّر أنّ جنود الإسلام الذين يضربون بسيوفهم ليس لهم هدف مادّيّ ، ولا طموح إلى الرئاسة والحكومة على الناس ، فعملهم للّهِ وفي اللهِ . والطابور العظيم من المنافقين - سواءً الذين أسلموا في فتح مكّة ، أو الذين بهرتهم عظمة الإسلام فلم يجدوا بدّاً من أن يظهروا إسلامهم - يتألّف من أمثال هؤلاء الأشخاص . وكان المنافقون جماعة كثيرة تعدّ من الصحابة . أسلموا في الظاهر وشهدوا بوحدانيّة ورسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلّا أنّ قلوبهم لم تسلم ولم تؤمن ، وكانوا ينظرون إلى الإسلام في باطنهم كحكومة قوميّة

--> ( 1 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 216 ، عبده .