السيد محمد حسين الطهراني

51

معرفة الإمام

ولكن كما رأينا فإنّ رسول الله أمر كلّ من جاء بالهدي أن يبقى بنيّة الحجّ ، ويلبّي . وكان ذلك في « سَرِف » على بعد ستّة أميال عن مكّة ، وأمّا الذي لم يأت بهدي فإنّه يلبّي بقصد العُمْرَة بدل الحجّ . تكليف عمل التمتّع في الحجّ . . وبقي صلّى الله عليه وآله وسلّم بقصد الحجّ ، لأنّه جاء بهدي معه . ولبّى بتلك النيّة ، حتّى إذا بلغ مكّة ، قطع التلبية ، لأنّه جاء إلى داخل البيت ، وبلغ مقصوده . وقد أحيا السعي بين الصفا والمروة بعد أن استنكف المسلمون عنه ، أحياه بطوافه وأدائه صلاة الطواف ، وقد سعى بنفسه ، وكان يأمر بالسعي كثيراً . « 1 » والآن قد فرغ من سعيه ، ووقف على جبل الْمَرْوَة ، وقال : أيها الناس ، نزل على الساعة جبرئيل ، « 2 » وهو يأمر كلّ من ليس معه

--> ( 1 ) - جاء في « السيرة الحلبيّة » ج 3 ، ص 295 عن « صحيح مسلم » : أنّ سبب نزول قوله تعالى : إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهَ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَليه أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا . هو أنّ المهاجرين في الجاهليّة كانوا يهلّون بصنمين على شطّ البحر يقال لهما : أساف ونائلة . ثمّ يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ، ثمّ يحلقون . فلمّا جاءهم الإسلام كرهوا أن يطّوّفوا بين الصفا والمروة ، يرون أنّ ذلك من أمر الجاهليّة . فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقيل إنّ سبب نزولها أنّ الأنصار كانوا في الجاهليّة يهلّون لمناة ، وكان من أحرم بمناة لا يطّوّف بين الصفا والمروة ، وأنهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم عن ذلك حين أسلموا ، فأنزل الله تعالى : إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ - الآية . ( 2 ) - جاء في « علل الشرائع » طبعة المكتبة الحيدريّة ، النجف ، ص 414 ضمن رواية فضيل بن عيّاض عن الإمام الصادق عليه السلام . . . فلمّا طاف [ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ] بالبيت وبالصفا والمروة ، أمره جبرئيل عليه السلام أن يجعلها عمرة إلّا من كان معه هدي ، فهو محبوس على هديه لا يحلّ لقوله عزّ وجلّ : حتّى يَبْلُغَ الْهدي مَحِلَّهُ . فجمعت له العمرة والحجّ وكان خرج على خروج العرب الأول لأنّ العرب كانت لا تعرف إلّا الحجّ وهو في ذلك ينتظر امر الله تعالى وهو يقول عليه السلام : الناس على أمر جاهليّتهم إلّا ما غيّره الإسلام . وكانوا [ أي العرب في الجاهليّة ] لا يرون العمرة في أشهر الحجّ ، فشقّ على أصحابه حين قال : « اجعلوها عمرة » لأنّهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجّ . . . قلت : أفيعتدّ بشيء من أمر الجاهليّة ؟ ! فقال : إنّ أهل الجاهليّة ضيّعوا كلّ شيء من دين إبراهيم عليه السلام إلّا الختان والتزويج والحجّ ، فإنّهم تمسّكوا بها ولم يضيّعوها .